كتب عبد الكريم أبو النصر في "النهار": "ترفض الدول الغربية البارزة وعلى رأسها اميركا وفرنسا وبريطانيا وجهة النظر الاسرائيلية القائلة بأن الحرب بين اسرائيل و"حزب الله" حتمية، آجلا ام عاجلا، نظرا الى القدرات التسلحية الكبيرة للحزب وارتباطاته الاقليمية، وتدعم جهود المسؤولين اللبنانيين الساعين الى تأمين شبكة حماية دولية للبنان من اي اخطار اسرائيلية يمكن ان يتعرض لها نتيجة انعكاسات نزاعات وازمات اقليمية حادة وكبرى على اوضاعه الداخلية. وتتحرك هذه الدول الغربية مع جهات دولية وعربية اخرى على جبهات عدة لمحاولة منع نشوب حرب جديدة تلحق اضرارا وخسائر هائلة بلبنان واللبنانيين وهو ما يتطلب خطوات واجراءات محددة يتخذها الاطراف المعنيون بالامر".
هذا ما اكدته لـ"النهار" مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على هذه القضية. واوضحت ان جهات اسرائيلية رسمية حذرت دولا غربية معنية بالامر في الفترة الاخيرة من ان الحرب مع "حزب الله" حتمية من غير ان تحدد موعدا معينا لنشوبها، وذلك نتيجة ثلاثة عوامل اساسية هي الآتية:
أولاً: إن "حزب الله" يخضع لتعليمات القيادة الايرانية في الدرجة الاولى وهو متضامن تماما مع ايران التي هي في حال مواجهة متصاعدة مع الدول الكبرى ومع اسرائيل بسبب تصميمها على امتلاك السلاح النووي مما يشكل تهديدا امنيا بالغ الخطورة للدولة العبرية، واي مواجهة عسكرية مع ايران سيكون "حزب الله" طرفا اساسيا فيها.
ثانياً: إن "حزب الله" يملك ترسانة كبيرة من الاسلحة، منها اكثر من اربعين الف صاروخ، غير خاضعة لسلطة الدولة اللبنانية، وهو لن يتردد في استخدامها ضد اسرائيل ايا تكن الانعكاسات على لبنان اذا ما اقتضت مصالح المحور الايراني – السوري ذلك.
ثالثاً: إن الحكم اللبناني، بقطع النظر عن نياته، عاجز عن ضبط اسلحة "حزب الله" ومنعه من استخدامها، مما يعني ان لبنان الرسمي يتخلى، فعلا، عن مسؤولياته والتزاماته حيال المجتمع الدولي وقرارات مجلس الامن ذات الصلة، وهو ما يعطي الحكومة الاسرائيلية "مبرر" اتخاذ الاجراءات الضرورية، في الوقت الملائم، لتعطيل القدرات العسكرية والقتالية للحزب الموجهة ضدها اساسا، او لحماية اراضيها ومواطنيها من اي هجمات يشنها الحزب.
وقالت المصادر الاوروبية إن الجهات الاسرائيلية الرسمية حذرت الدول الغربية التي اتصلت بها من ان اي حرب مقبلة مع "حزب الله" ستكون مختلفة جذريا عن الحروب السابقة، مشددة على النقاط الآتية:
أولاً – لن تقبل اسرائيل بخوض حرب استنزاف طويلة هذه المرة مع "حزب الله" تتعرض خلالها، وطوال اسابيع، المدن والمنشآت الاسرائيلية لآلاف الصواريخ والقذائف، بل ان اي حرب جديدة ضد الحزب ستكون حربا كاسحة ومدمرة للغاية وستشمل غارات جوية وضربات صاروخية وقصفا بحريا وهجمات برية مركزة على جبهات عدة وفي مختلف المناطق اللبنانية وتستهدف قيادات الحزب والمواقع والمنشآت والقواعد والمؤسسات والمباني التابعة له والتي يملك الاسرائيليون معلومات عنها. وحرب غزة التي جرت في نهاية 2008 ومطلع 2009 هي صورة مصغرة عن تلك التي يمكن ان يتعرض لها لبنان.
ثانياً – ستكون حرب اسرائيل المقبلة ايضا حرب "معاقبة لبنان لتوفيره الشرعية للنشاطات العسكرية لـ"حزب الله" وامتناعه عن اتخاذ الاجراءات الرادعة المطلوبة دوليا لمنع وصول الاسلحة الى الحزب. ولذلك ستطاول الهجمات الاسرائيلية منشآت ومواقع لبنانية حيوية عدة وعلى نطاق اوسع مما حصل خلال حرب صيف 2006.
ثالثاً – لن توقف اسرائيل حربها على لبنان، هذه المرة، ما لم يوضع حد نهائي وحاسم لمشكلة "سلاح حزب الله" بجوانبها المختلفة بحيث تتخذ الاجراءات اللازمة لبنانيا ودوليا لتحقيق ذلك. وتنوي اسرائيل التعامل مع "حزب الله" وسلاحه في الحرب المقبلة كما تم التعامل خلال غزو لبنان عام 1982 مع الوجود الفلسطيني المسلح في هذا البلد، ذلك ان الاسرائيليين واصلوا في حينه ضغوطهم العسكرية الى ان تم اخراج المقاتلين الفلسطينيين من الاراضي اللبنانية. وما يريده الاسرائيليون في الحرب المقبلة مع لبنان هو مواصلة ضغوطهم العسكرية والسياسية الى ان يوضع حد "لخطر اسلحة "حزب الله" على الدولة العبرية"، كما اكد مسؤول اسرائيلي لوزير خارجية دولة اوروبية.
تعهدات نتنياهو
وافادت المصادر الديبلوماسية الاوروبية المطلعة بأن الدول الغربية البارزة المهتمة بمصير لبنان تتعامل جديا مع التحذيرات الاسرائيلية ولذلك حرصت على اثارتها مع جهات عربية معنية مباشرة بالامر، وهي تتحرك على الجبهات الآتية لمنع نشوب حرب اسرائيلية – لبنانية مدمرة جديدة:
أولاً: طالبت هذه الدول الغربية الحكومة الاسرائيلية بالامتناع عن شن حرب على لبنان او تنفيذ هجمات عسكرية على اهداف فيه بطريقة "استباقية" لمحاولة تدمير او تعطيل القدرات التسلحية لـ"حزب الله" اذا لم تتعرض الدول العبرية لاي هجوم كبير انطلاقا من الاراضي اللبنانية، او اذا لم ينفذ "حزب الله" عمليات "ارهابية" او "تخريبية" ضد اهداف ومنشآت اسرائيلية مهمة في الخارج. وشددت هذه الدول في اتصالاتها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض المسؤولين الاسرائيليين الكبار على ان "حق الدفاع عن النفس" الذي يمكن ان تتذرع به اسرائيل لضرب لبنان لن يكون مقبولا لدى اي جهة دولية بما فيها ادارة الرئيس باراك اوباما، اذا لم تتعرض الدولة العبرية لهجوم كبير من "حزب الله" يستهدف اراضيها او مصالحها ومنشآتها الحيوية في الداخل والخارج. واكدت ان الدول الغربية المعنية بالامر حصلت على "تعهدات" من حكومة نتنياهو انها لن تشن اي هجوم على لبنان ومواقع "حزب الله" فيه من دون وجود "دوافع ومبررات قوية وجدية" لذلك. ويرى ديبلوماسي اوروبي مطلع ان هذه الصيغة الاسرائيلية "غامضة وغير دقيقة وتترك الباب مفتوحا امام احتمالات عدة".
ثانياً – طالبت هذه الدول الغربية نظام الرئيس بشار الاسد، في اتصالات مختلفة اجريت معه، باتخاذ اجراءات حقيقية وجدية وبالتفاهم مع السلطات اللبنانية الرسمية لضبط الحدود بين البلدين في انتظار ترسيمها رسميا ونهائيا ووقف عمليات ارسال او تهريب الاسلحة عبرها الى "حزب الله" وكذلك الى تنظيمات فلسطينية مرتبطة بدمشق، والعمل في الوقت عينه على "اقناع" الحزب بالامتناع عن شن اي هجمات على اسرائيل انطلاقا من لبنان وذلك تطبيقا لقرار مجلس الامن الرقم 1701 الذي التزمته الحكومة اللبنانية رسميا، وحرصا على الامن والاستقرار في هذا البلد وفي المنطقة عموما، ولعدم اعطاء اي ذرائع لاسرائيل لمهاجمة الاراضي اللبنانية.
وفي هذا المجال قال ديبلوماسي غربي مطلع لـ"النهار" "إن موضوع سلاح "حزب الله" اساسي في الحوار الاميركي – السوري وان مناقشات جدية وحادة جرت في شأنه بين مسؤولين اميركيين وسوريين في مناسبات عدة خلال الاشهر الاخيرة، اكد خلالها الجانب الاميركي انه ليس ممكنا تحسين العلاقات الاميركية – السورية ما لم توقف شحنات الاسلحة السورية والايرانية برا وبحرا الى "حزب الله"، واذا لم يضغط على الحزب لمنعه من تفجير حرب جديدة مع اسرائيل".
واضاف: "ان الحوار الاميركي مع نظام الاسد في شأن هذه القضية لم يحقق اي نتائج حتى الآن وان القيادة السورية ترفض تقديم ضمانات الى الاميركيين تتعلق بوقف تسليح "حزب الله" او بالضغط عليه على اساس ان من حق الحزب امتلاك الاسلحة واعتماد المقاومة المسلحة ضد اسرائيل ما لم يتم التوصل الى سلام سوري – اسرائيلي ولبناني – اسرائيلي".
شروط الحماية الدولية
ثالثاً – اوضحت الدول الغربية في اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين ان المجتمع الدولي يتعاطف فعلا مع لبنان ويدعمه ويتفهم ظروفه الداخلية المعقدة والحساسة ويريد حمايته من اي حرب اسرائيلية محتملة. لكن الدول الغربية ذكرت في الوقت عينه بأن من الضروري ان يتحمل الحكم اللبناني مسؤولياته كاملة لحماية بلده من اي حرب اسرائيلية، اذ ان الحماية الدولية لن تكون كافية وحدها اذا لم تتخذ القيادات اللبنانية القرار الكبير القاضي بالتفاهم مع "حزب الله" على تبني استراتيجية دفاعية جديدة تتخذ في اطارها ثلاثة قرارات اساسية هي: موافقة "حزب الله" على وضع اسلحته وخصوصا الثقيلة والصاروخية منها في تصرف الجيش اللبناني والسلطة الشرعية وتطبيق هذا القرار فعلا وخلال فترة زمنية غير طويلة، موافقة "حزب الله" على التخلي عن قرار الحرب للدولة الساعية الى استعادة ما تبقى من اراض لبنانية محتلة والى تسوية مشالكها العالقة مع اسرائيل بالوسائل الديبلوماسية وفقا لما تنص عليه قرارات مجلس الامن ذات الصلة، مواصلة تطبيق القرار 1701 جديا من اجل تحقيق وقف اطلاق نار دائم بين لبنان والدولة العبرية بمساعدة الامم المتحدة والدول الكبرى، مما يؤدي الى اقفال الجبهة اللبنانية – الاسرائيلية امام اي عمليات او نشاطات عسكرية من الطرفين كما هو الحال على الجبهة السورية – الاسرائيلية، في انتظار تحقيق السلام. وكما قال مسؤول عربي كبير لرئيس دولة اوروبية: “يجب ان تكون مشكلة سلاح "حزب الله" موضوعا اساسيا في المحادثات اللبنانية – السورية وهو ما يتطلب بذل جهود عربية ودولية وليس فقط لبنانية لاقناع نظام الاسد بضرورة مساعدة الحكم اللبناني على اعتماد الاستراتيجية الدفاعية التي تضبط استخدام سلاح "حزب الله" وتسحب من الحزب قرار الحرب. ومن شأن هذه المساعدة السورية ان تؤدي الى تعزيز العلاقات بين لبنان وسوريا وكذلك الى تحسين علاقات نظام الاسد مع الولايات المتحدة ودول اخرى".
وشرحت المصادر الاوروبية المطلعة ان هذه الدول الغربية اوضحت في اتصالاتها اللبنانية والعربية "ان الحماية الدولية للبنان من اي حرب اسرائيلية محتملة تضعف بل تسقط اذا ما شن "حزب الله" هجمات كبيرة على اسرائيل او على اهداف مهمة لها في الخارج، سواء في اطار وقوفه الى جانب ايران او لاي سبب آخر". وشددت "على ان الحكم اللبناني يتحمل في هذا المجال مسؤولية اقليمية ودولية وليس فقط مسؤولية لبنانية. اذ ان اي حرب جديدة لن تعرض هذا البلد لاخطار جسيمة فحسب، بل انها تهدد ايضا الامن والاستقرار في المنطقة. فبقدر ما تتحمل القيادات اللبنانية مسؤولياتها الذاتية في هذا المجال ويعمل الحكم اللبناني على تطبيق القرارين 1559 و1701 وغيرهما من قرارات مجلس الامن ذات الصلة، ويتخذ تاليا، في اطار الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، الاجراءات الضرورية لضبط استخدام سلاح "حزب الله" ولمنع الحزب من التصرف كما يريد في تعامله مع اسرائيل، بقدر ما يلقى لبنان الدعم الدولي المؤثر الذي يحميه من الاخطار الاسرائيلية المحتملة".
ولفتت المصادر الاوروبية المطلعة الى ان الدول الغربية "لم تتمكن من التوصل الى اي تفاهم مع القيادة الايرانية في شأن "حزب الله" وسلاحه بما يساعد الحكم اللبناني على تبني الاستراتيجية الدفاعية الملائمة، اذ ان المسؤولين الايرانيين يرون ان ما لم يتم التوصل الى تفاهمات مع الدول الكبرى مقبولة لدى القيادة الايرانية وتتعلق ببرنامجها النووي وبالقضايا الاقليمية الاساسية، فإن الجمهورية الاسلامية تمنح ذاتها الحق في مواصلة تعزيز قدرات "حزب الله" والافادة من موقعه في الساحة اللبنانية ومن امكاناته لتأمين نوع من الحماية للبرنامج النووي الايراني او للرد بالصواريخ على اي هجمات اسرائيلية تستهدف المنشآت النووية والحيوية الايرانية".
ولخص ديبلوماسي اوروبي مطلع الوضع بقوله: "لن يستطيع مجلس الامن ومعه الدول الكبرى حماية لبنان من اي حرب اسرائيلية محتملة عليه ما لم يتم تأمين مجموعة ضمانات وعوامل اساسية ابرزها اخضاع "حزب الله" واسلحته لقرارات السلطة الشرعية اللبنانية وليس لقرارات القيادتين السورية والايرانية. وهذا مطلب يؤيده اللبنانيون في غالبيتهم العظمى. وهذه ليست مهمة سهلة، لكنها ضرورية وتتطلب تعاون دول عدة عربية واجنبية مع الحكم اللبناني لانجازها".