#adsense

إمتحان التعيينات !

حجم الخط

ينزع الرأي العام في لبنان الى نوع من الدوغمائية في اطلاق الاحكام، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالسلطة وتحديدا بالحكومة. وقد ساهم الانقسام المزمن بين اللبنانيين في اضفاء نوع من التناقض التلقائي، كي لا نقول العداء التلقائي، على النسيج التعددي في البلاد.
هذه حقيقة صنعها تراكم الزمن السيئ الذي مر به هذا البلد، ولن تزول فوراً من الذاكرة والطبائع والسلوك، لانها تحتاج الى زمن هي ايضا لكي تدخل عالم النسيان.

اذاً ليس في وسع تصريح او خطاب او مجموعة من التصريحات والخطب ان تملي قواعد المنطق والهدوء والفعل البارد، في بلد اذا نزل الشتاء فيه او انحبس أمطر الكثيرون الحكومة بالشتائم، واذا اشتبك زوج بزوجته فلا بد من ان تأخذ الحكومة نصيبها من الغضب !
ولأن الكل "يحكي بأصله"، كما يقول المثل، فإننا منذ زمن بعيد لم نصلح شيئا في "اصلنا". فكان معظم ما يحكيه هذا الشعب العنيد تهديما في السلطة والحكومة اللتين اختارهما هو اصلا، وليس هناك من يتذكر القول: "أمي ارحميني".

❒ ❒ ❒

طبعا ليس هناك الآن من يطلب الرحمة. ولكن هناك في الواقع مسؤولون يطلبون من السياسيين كما من الناس الهدوء وطول الاناة والموضوعية وروح الايجابية والرغبة في المؤازرة الصادقة لكي تقلع عجلة الدولة المعطلة منذ زمن عبر حكومة الوحدة الوطنية، التي تم التوصل الى تشكيلها بشق النفس وبما تجاوز عند رئيسها تحديدا صبر ايوب !

يعرف سعد الحريري مهماته المعقدة والصعبة. ويعرف ايضا ان ليس المهم تشكيل حكومة وحدة وطنية نادى بها قبل حصول الانتخابات، بل المهم ان تتمكن هذه الحكومة من العمل وان تستطيع شجرتها ان تثمر. وقياسا بالشعارات التي اطلقها عندما جعل المسألة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في مقدم اهدافه، فانه يحتاج عمليا اول ما يحتاج الى امرين:

❒ أولاً: ترسيخ الاستقرار والهدوء، واعطاء المياه اللبنانية فرصة للرواق والخروج من "العوكرة" والوحول، وتعميق الرغبة في التعاون لتثبيت مرتكزات الوحدة الوطنية التي تشكل منطلقا لعمل الحكومة وانتاجها.
المسألة هنا ليست مسؤولية فردية، بل تشكل امتحانا لجميع الشركاء والافرقاء في حكومة الوحدة الوطنية. لكن الدوغمائية اللبنانية في الاستنتاج ستقول في النهاية نجح سعد الحريري او فشل سعد الحريري!

❒ ثانياً: اعادة ترسيم الحضور اللبناني فوق الخريطة السياسية والديبلوماسية عربيا ودوليا، وهو امر يقوم به الرئيسان ميشال سليمان وسعد الحريري طبعا، ومحصلاته النهائية معنوية ومهمة دعما وتأييدا للبنان ونحن الآن عند مفترقات اقليمية دقيقة، وامام احتمالات مقلقة. كما انها اقتصادية وتجارية وتبادلية في غاية الافادة والاهمية، وقد بدت عمليا عبر زيارة الحريري لتركيا، وستبدو الاسبوع المقبل بعد زيارته لفرنسا.

كذلك، المسألة هنا بدورها تشكل امتحانا لنا جميعا كلبنانيين يفترض ان نمثل شعبا تعدديا قابلا وقادرا على حكم نفسه ورسم مستقبل عاقل لابنائه واهله. اما في الخارج فالنظرة الينا شاملة، فلا فرق بين الدولة والمواطن وبين الحكومة والمواطن وبين السلطة والفرد.

واذا كان دخول الدول والعواصم وإحياء شبكة العلاقات اللبنانية على المستويين العربي والدولي مسألة متيسرة للرئيس سليمان كما للرئيس الحريري، الذي يعرف اقاصي خريطة العلاقات الدولية الحميمة والحارة التي نسجها والده من قبله وجعلها في خدمة لبنان مؤتمرات دولية للدعم والمساعدة، اذا كان ذلك متيسرا في الخارج، فمن الضروري توافر ظروف واوضاع داخلية مساعدة ومشجعة لهذا الامر.

❒ ❒ ❒

هنا تبرز مجددا اهمية ترسيخ الوحدة الوطنية كمنطلق لنجاح لبنان في تجاوز مرحلة المحنة الطويلة عبر نجاح الحكومة في التعاون والعمل والانتاج، وفتح صفحة جديدة تليق فعلا باعادة بناء الدولة من خلال احترام حازم لمعايير الشفافية والمحاسبة والكفاية والخبرة والاستماتة في خدمة الناس، الذين لا يملكون في هذا البلد عن الدولة إلا ابشع الصور واشنع الاقتناعات.

يعرف سعد الحريري هذا جيدا. تصريحه مثلا عن الطائفية السياسية، التي تكاد ان تثير زوبعة من الخلافات والانقسامات ونحن لا نزال في صدد الدعوة الى تشكيل هيئة، مجرد هيئة لالغاء الطائفية السياسية، هذا التصريح يبرز حرصه على ترسيخ مناخ الوحدة، وخصوصا عندما يقول إن هذا الامر يتطلب الاجماع، والاجماع هو الاساس الذي يعمل الرئيس نبيه بري اصلا وفق روحيته.

الوحدة الوطنية المترجمة في الحكومة لا تزال غضة، واثارة مسألة التعيينات وفق الطريقة اللبنانية السابقة القائمة على المحاصصة والمحسوبية والاستزلام مسألة كريهة ستدمغ الحكومة والعهد بأبشع الالوان. ولهذا قال الحريري انه يشترط احترام الدستور لجهة المناصفة والكفاية والنزاهة والاقتدار والابتعاد عن المحسوبية لجهة الاختيار. طبعا لم يكن وحده الذي قال هذا، فالكل يكررون هذا الكلام الآن لكن العبرة في التنفيذ.

ومن المؤكد ان الرؤساء الثلاثة سليمان وبري والحريري يغرقون الآن في الملفات والتوصيات والوشوشات. ولكي نملأ 76 وظيفة هناك 7600 إن لم نقل 17600 اسم تقرع الابواب والآذان وكثير منها على قاعدة: "ولو، شاب آدمي بيخصنا (…) بيبيّض الوجه" يرضي الطائفة ويريح الانبياء وتضحك له العذراء مريم.
التعيينات امتحان للمسؤولين جميعا، للرؤساء والمرجعيات والقادة. ولكن في النهاية اذا سادت قاعدة المحاصصة والاستزلام فلن يقال: فلان أو علتان، بل سيقال هذا امتحان الحكومة !

المصدر:
النهار

خبر عاجل