#adsense

عارض اختلال التوازن !

حجم الخط


بصرف النظر عن ملامح التزاحم داخل مواقع الحكم والسلطة على اقتطاع اولويات سياسية داخلية او خارجية، على ما تومي به الايقاعات المتصاعدة مع مطلع السنة، ثمة خلاصة تبدو مغيّبة تماماً عن خلفيات الجدل الدائر حول مسألة تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية لا بد من مقاربتها والاضاءة عليها، لانها تشكل نتيجة خطيرة لخلل أصاب المعادلة الداخلية في الصميم. هذه الخلاصة تتمثل في اندفاعة ادوار طائفية صرفة في تركيبتها وطبيعتها نحو رسم مشهد سياسي جديد مستفيدة من تراجع التكتلات الكبرى المتعددة الطائفة او العابرة للطوائف، ولو بعنوان برّاق أخمدته سنوات طويلة من انتهاك الدستور والميثاق.

فالرئيس نبيه بري غني عن التعريف في مراس رسم الدور الشيعي "الرسمي" ضمن لعبة السلطة وتوجيهه عند المفترقات والمتغيرات. ودوره لم يكن مرة "محاصراً" في اطار الرئاسة الثانية، بل غالباً ما كان الشريك المضارب في السلطة التنفيذية نفسها، في اوسع تداخل سافر بين السلطتين الاجرائية والاشتراعية.

"يتزامن" فتح الرئيس بري معركته الأحادية لتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، مع اطلالة الزعيم الميداني للشيعة وصاحب الدور الحصري غير المنازع عليه في قيادة المقاومة السيد حسن نصرالله ليس من الباب الداخلي هذه المرة بل من الباب الاقليمي الاوسع.

حدد الامين العام لـ"حزب الله" في خطابه امام ممثلي "المقاومات" العربية والاقليمية في قصر الاونيسكو "الاستراتيجية الدفاعية" سلفاً وتكراراً دونما اي حاجة الى اي مؤتمر للحوار، وهنا بيت القصيد، في الوجه الشيعي الآخر المتمم لحركة "الممثل الرسمي" الأعلى للطائفة.

اذن هي اندفاعة شيعية متصاعدة ومتوثبة لتوجيه دفة المشهد السياسي برمته في وجهتين داخلية واقليمية، مستفيدة على الارجح من تطورين كبيرين: أولهما توجه الممثل الرسمي للسنة وذي الثقل الشعبي الاول رئيس الحكومة سعد الحريري نحو دمشق ببسط اليد "للصفحة الجديدة"، وثانيهما انكفاء فريق 14 آذار منذ ما بعد تشكيل الحكومة عن "حصرية" الامساك بدفة القضايا الكبرى في البلاد. في ملامح اللعبة السياسية وتبدّل موازين القوى، ولو على نحو أولي، لا يمكن استقراء الدينامية الشيعية الا من هاتين الزاويتين المتلازمتين، حتى لو افضت النتيجة الى حيث يسدد افرقاء 14 آذار سهام الشبهة في اتجاه بري، بأنه يقوم بمبادرة استباقية لمصلحة سلاح حليفه "حزب الله" وطيّ اي نقاش فيه.

في هذا السياق تبدو بوصلة 14 آذار كأنها لا تزال سديدة صائبة، لكن آلية 14 آذار تغدو على قدر خطير من الانكفاء. لا يتصل الامر هنا بدينامية نزاع، اذ من غير المعقول الالحاح على هذا الفريق للعودة الى منطق صراع فيما هو ارتضى كما سائر الآخرين منطق التسوية التي تظلل الوضع الناشئ في لبنان. غير ان المقصود بالانكفاء هو القعود عن اثبات القدرة على ابقاء التوازن السياسي داخل السلطة، وفي تحديد الاولويات وكذلك في فرض بعضها لئلا يتحوّل الخلل فرصة ثمينة لاولويات اخرى لن تجد في مواجهتها اي توازن يحاكيها. ولعل الناحية السلبية الاخرى التي تتحكم بهذه الافادة من انكفاء موقع "جبهوي" واسع، هي انها تحفز على استعادة خلفيات فئوية في اي طرح حتى لو كان ظاهره دستورياً وغير فئوي بل "تقدمي"، على غرار ما تمثله مسألة تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية، وكذلك الرد على التهديدات الاسرائيلية للبنان ولو بمنطق فريق بعينه يثير بفائض القوة الذي يمتلكه الاشكالية العميقة الأكبر في مواجهة سائر الافرقاء الآخرين.

بذلك لا يتوقف غبار الجدل الناشئ عند طرح وردود فعل، او مبادرة وأصداء عليها، فالامر آيل الى الابعد، والى ازمة النظام اياها محمولة بطموحات مفرطة لدى البعض وأزمات ذاتية لدى البعض الآخر، وهذه المرة مع عارض اختلال في التوازنات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل