
كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1630:
ما علاقة رفض «حزب الله» أن يكون يوم أول أيلول من كل عام عيدا لإعلان دولة لبنان الكبير، بالإستفتاء الكردي حول استقلال إقليم كردستان وبرسم خارطة الشرق الأوسط الجديد؟ وهل المسألة تتعلق أساسًا بنظرة الحزب إلى الكيان اللبناني واعتباره فقط جزءًا من الأمة الإسلامية ودولة ولاية الفقيه التي يقودها المرشد آية الله علي الخامنئي؟ وهل سيكون الحزب مضطرًا لخوض مواجهات جديدة في العراق وسوريا بعدما ساد اقتناع بأن الحرب فيهما تكاد تكون محسومة؟
في العام 1918 خرج لبنان من نظام الخلافة الإسلامية التي كان مركزها في تركيا لا ليدخل في العام 2018 نظام ولاية الفقيه التي مركزها في طهران. قبل مئة عام ارتسمت خارطة المنطقة وولدت دولها المستقلة تباعًا وعلى مراحل امتدت حتى بداية السبعينات مع الإنسحاب البريطاني من عدن في اليمن وكان لبنان من أول الدول التي وجدت وتم الإعلان عن حدوده الكاملة في أول أيلول من العام 1920 من قصر الصنوبر بعد الدور الكبير الذي لعبه البطريرك الماروني الياس الحويك. لم تكن ولادة الكيان اللبناني من العدم بل قامت على أساس نظام المتصرفية الذي دام نحو أربعين عامًا وكان أول نظام حكم ذاتي في ظل السلطنة العثمانية وبضمانة كل الدول الكبرى التي كانت تنتظر وفاة «الرجل المريض». وإذا كان الجنرال غورو أعلن حدود لبنان الكبير محاطاً بالبطريرك الحويك والمفتي مصطفى نجا، فهذا لم يمنع حصول معارضة إسلامية لقيام هذا الكيان ولكنها لم تمنع عملية التغيير التي حصلت في المنطقة كلها في ظل القرار الدولي الذي قام على أساس اتفاقية «سايكس ـ بيكو». وما لا يمكن فهمه اليوم هو أبعاد موقف «حزب الله» الذي يعيد محاولة ربط لبنان بسوريا وإيران متجاوزًا تأكيدات القرارات الدولية المتتالية على حدود لبنان الكبير.
في رسالته المفتوحة التي أعلنها «حزب الله» بتاريخ 16 شباط 1985 في حسينية الشياح وتلاها السيد ابراهيم أمين السيد وكانت تحت عنوان «من نحن»، عرّف عن نفسه بما يلي: «إننا أبناء أمة «حزب الله» التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران… نحن نعتبر أنفسنا ـ وندعو الله أن نصبح جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف»…
.jpg)
في الوثيقة السياسية التي أعلنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في 30 تشرين الثاني 2009 لم ينقض ما جاء في تلك الرسالة بل حاول أن يعطي تفسيره الخاص للنظام في لبنان متمسكاً دائمًا في جميع خطاباته باعتبار نفسه جنديًا في جيش الولي الفقيه ومستعدًا دائمًا للقتال عندما يصدر التكليف الشرعي بذلك من الولي الفقيه، وهذا ما كان وراء انخراط الحزب في معارك الشرق الأوسط الممتدة من اليمن إلى سوريا والعراق ودول الخليج ولبنان.
في ظل هذا الكيان اللبناني الذي لا يتبناه الحزب ولدت الثورة الإسلامية في طهران وولد أول إطار ديني وسياسي شيعي مستقل للشيعة في العالم مع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والسيد موسى الصدر. في تلك المرحلة من الستينات حيث كان شعور الشارع العربي طاغيًا ومؤيدا للرئيس المصري جمال عبد الناصر بخلفية سنيّة كان ينظر إلى الإمام الصدر وإلى التجربة الشيعية الجديدة بريبة تصل أحياناً إلى حد تهمة الخيانة.
لم يكن هناك دولة شيعية أو كيان شيعي قام على أساس «سايكس ـ بيكو». كانت إيران تحت حكم الشاه دولة حديثة مدنية وإن كان معظم سكانها من الشيعة. مع الإمام الخميني بدأ يكتب فيها تاريخ جديد. ومن المفارقات أن معظم قيادات الثورة الإسلامية الأولى تدربوا في لبنان وكانوا قريبين من الإمام الصدر، وأن عددًا كبيرًا من قيادات ومسؤولي حركة «أمل» التي أسسها رافقوا الإمام الخميني في طريق عودته من منفاه الباريسي إلى طهران. وانقلبت الثورة على نفسها، ومن المفارقات أيضًا أن الإمام الصدر اختفى في ليبيا في العام 1978 في آخر أيام آب بالتزامن مع ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير ومع بدء حكم رجال الدين الشيعة في إيران.
في العراق في بداية العشرينات أعطي الحكم للملك فيصل تعويضًا عن إبعاده عن مملكته في سوريا حيث دفع الثمن غاليًا في معركة ميسلون عندما حاول قائد جيشه يوسف العظمة التمرد على القرار الدولي. لم يكن هناك إي اعتبار للوجود الكردي بحيث توزع الأكراد بين إيران وتركيا وسوريا والعراق. أما الشيعة الذين كانوا يشكلون الأكثرية فلم يكن أمامهم إلا القبول بأن تكون المملكة العراقية في ظل حكم ملك سنّي تعود جذوره إلى مكة في المملكة العربية السعودية. ولكنهم في ظل ذاك النظام كانت لهم مشاركتهم في السلطة وكانت هناك حركة دينية خاصة في حوزاتهم الدينية في النجف وكربلاء التي استقطبت رجال الدين الشيعة اللبنانيين قبل أن تصبح حوزات قم في إيران هي المرجع.
إسقاط حكم صدام حسين في العراق في العام 2003 كان بداية تفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والقومية في المنطقة كلها. اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان في 14 شباط 2005 كان من ضمن هذا المسلسل. إخراج جيش النظام السوري من لبنان كان مؤشرًا على ما يمكن أن يحصل في سوريا. الدور الكردي داخل العراق الموحد كان دليلاً على ما يمكن أن يلعبه الأكراد في إعادة رسم خارطة المنطقة بعدما كان الحل في العام 1918 على حسابهم وذلك بعدما أصبحوا القوة الأقوى في العراق المتفجر ولاحقاً في سوريا المتهاوية.
على رغم صعود «داعش» السريع والكبير لم يكن هناك أي رهان على أن لهذا التنظيم مستقبلاً في المنطقة. دائمًا كان هناك تسليم بأن نهايته قريبة. ولكن من اللافت أنه قبل أن تنتهي معركة الحسم ضد «داعش» فاجأ الزعيم الكردي مسعود البرزاني العالم بالإستفتاء حول استقلال إقليم كردستان. وسريعًا تعاطى الحكم المركزي في بغداد وحكام طهران والنظام التركي مع هذا الحدث الكردي على أنه أخطر من التهديدات التي كان يمثلها تنظيم «داعش». وإذا كان تثبيت الإستقلال مسألة صعبة على الأكراد، فإن الحرب ضدهم لإسقاط مشروعهم أصعب بكثير. وفي ظل هذه المعمعة الكبرى يبدو كأن الحرب الحقيقية في سوريا والعراق هي تلك الحرب المنتظرة التي لم تبدأ بعد. ويبدو أيضًا أن تنظيم «داعش» كان يقتصر دوره على خربطة الحدود وهز نظامي بغداد ودمشق ليخرج من المعادلة وليبدأ بناء معادلة جديدة. فما يحصل في إقليم كردستان في العراق «سابقاً» لا يمكن فصله عما يحصل في سوريا مع قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها واشنطن. ولذلك فإن «حزب الله» أيضًا سيجد نفسه من ضمن المحور الممتد من إيران إلى بغداد ودمشق أمام مواجهة جديدة مع واقع جديد أكثر صعوبة من المواجهة مع تنظيم «داعش». وهو سيجد نفسه أيضًا أنه كان مثل «داعش» إحدى وسائل الصراع في المنطقة بينما المطلوب منه اليوم العودة إلى الروحية التي أوجدت دولة لبنان الكبير لا البقاء في مربع رفض هذا الكيان. فالحزب لم يغيّر عقيدته ولا غير شعاراته. لبيك يا زينب ولبيك يا حسين هي الهتافات التي تترد في احتفالاته الدينية وفي تشييع عناصره العائدين من الحروب في سوريا والعراق. ورايته لم تتبدل: «فإن «حزب الله» هم الغالبون» و»الجمهورية الإسلامية في لبنان». ومن هنا يبقى السؤال: أين لبنان في استراتيجية «حزب الله»؟ وهل هو مجرد أرض لها اسم وليس لها هوية؟ وهل هو جزء من الجمهورية الإسلامية التي مركزها في طهران أم كيان مستقل بحدوده الدولية الثابتة منذ الإعلان عنها في أول أيلول 1920؟
من المفارقات التي سيتوقف عندها «حزب الله» حتما قيام السفيرين البريطاني والألماني هيوغو شورتر ومارتن هوث في 26 أيلول بجولة على الأبراج الحدودية الجديدة لفوج الحدود البرية الرابع في منطقة الطفيل بعدما تم توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لدعم وجود الجيش اللبناني في المنطقة وتثبيت أبراج المراقبة لتشمل كل الحدود وهي ليست إلا حدود دولة لبنان الكبير التي أعلنت من قصر الصنوبر ولم تكن إلا جزءًا من حدود دول الشرق الأوسط التي تبدأ من شواطئ البحر المتوسط ولا تنتهي عند جبال كردستان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]