
جلال طالباني الرئيس الأسبق لدولةٍ قائمة، يموت خارجها ويعود بالطائرة الى مثواه الكردي ملفوفاً بعَلم دولة على طريق القيام. الرئيس الأسبق للعراق لم يمر بسماء العودة الى بغداد، عاصمة العراق، سارع الى كردستان. رسالة الأكراد واضحة: وُلِدَ “مام جلال” في كردستان وسيُدفن في كردستان. “عراقيته” كانت محطة عابرة. سيُسجل التاريخ واقعةً ملآنة بالرموز والمعاني. في ذلك اليوم، إلى أرض مطار السليمانية، وصل نعش جلال طالبناني ملفوفاً بعلم وطنه الام في لحظة ارتفاع هذا العلم على جبال مساقط رؤوس شعبه. يا له من قَدَرٍ رائع، وضع الأكراد ورقة الاستقلال في صندوق الاستفتاء، واقترع طالباني بأن حوَّل جثمانه ورقةَ الاقتراع في صندوق كبير اتَّسَعَ لرَجُلِ الثالثة والثمانين. في تلك اللحظة أيضا كان علم العراق مُنكَّساً، ربما حِداداً على رئيس وأقليم أسبقين!
هذه حال العراق العربي الذي اقتضت التسويات أن يكون رئيسه كردياً، وعاجلاً او آجلاً سيفرض مسرى التاريخ رئيساً عربياً، للعراق العربي. وسيكون للأكراد دولة برئيس كردي. كل المسألة مسألة وقت، والسباق قطع شوطاً.
رغم مقتل آلاف الكاتالونيين أيام فرانكو الديكتاتور، لا تزال مسيرة كاتالونيا مستمرة۔ فالشعب إذا اراد، “لا بد ان يستجيب القدر”، ولو بعد حين۔ ولو اعترضت دول وأمم متحدة.
النزعات الغوغائية في لبنان ودنيا العرب وصفت دولة الأكراد المنشودة “باسرائيل ثانية”. أكراد موجودون على ارضهم التاريخية منذ أكثر من الف سنة، ساواهم الغوغاء بيهود جاءوا بالأمس وطردوا اهل الارض الاصليين. يبدو أن حق الشعوب بتقرير مصيرها مرهون عند الغوغاء بشعوب محددة. أما عند الدول الكبرى فلتقرير المصير مواسم وظروفٍ تُحدِّدُها المصالح والمطامع. ليس للكاتالونيين وللأكراد وللأمازيغ ولشعب الصحراء الغربية، ان يخربطوا وضعاً قائماً. فالدول الكبرى لا تحب الارتباك، ولا تريد ان تفتح باباً سيجر حتما فتح الف باب. تعترف الدول الكبرى ضمناً بحقوق الشعوب الساعية الى الحرية والسيادة والاستقلال، ولكن تلقف كرة النار يحتاج الى رجال ونساء تاريخيين واستثنائيين، يَعزُّ وجودهم في هذا الزمن.
عَلَّمَنا التاريخ ان تجاهل كُرات النار، يزيد النار استعاراً ويرفع أكلاف إحقاق الحق۔ لو عرفت الشعوب العربية الديمقراطية قبل خمسين سنة، لما كان هذا الثمن من الدماء والدمار والفوضى الذي يرافق المخاض العسير للربيع العربي.
قتل فرانكو الاسباني آلاف الكاتالونيين، وقتل حكام العراق آلاف الأكراد، ولم يمت الحق، لأن موت الحق يستلزم شيئاً بعيد المنال اسمه “الإبادة”. وعادت المأساة تكرر نفسها عندما لم يتعلم من جاء بعد فرانكو وبعد صدّام شيئاً من حتميات التاريخ۔ أحد أوصاف الانسان أنه “حيوان سياسي”. ولكن رغم هذا التقدم الهائل في العلوم والديمقراطية، لا تزال دول القرار تعتمد “سياسة حيوانية”، قائمة على التملص في صراع مصالح متوحش۔
قبل سنوات لم يكن، ولو في الخيال، مكان لحكم ذاتي للأكراد. وبعد فرانكو كثيرون قالوا انتهت جمهورية كاتالونيا التي نشأت مطلع القرن العشرين وماتت بسرعة. اليوم يتذكر الأكراد “جمهورية مهاباد” التي اقاموها في كردستان ايران في اربعينيات القرن المنصرم ولم تُعَمِّرْ إلا شهوراً. ولكن ما عجز عنه مصطفى بارزاني في “مهاباد”، عاد نجله مسعود ليحييه في كردستان العراق.
قد تقوم دولة كردية على يد مسعود، وإن لم تقم على يد مسعود فستقوم يوماً على يد ابنه او أحد احفاد البارزانيين او الطالبانيين. وعندما تصف اسبانيا المركزية زعيم كاتالونيا كارلس بوجديمون بأنه اخطر شخص في اسبانيا، فهذا الوصف يعيد اسبانيا بمعنى من المعاني الى منطق “محاكم التفتيش” التي جَرَّتْ عليها الوبال.
أين لبنان من سعي تلك المجتمعات الى الاستقلال عشية الذكرى المئة على قيام لبنان كبير؟
هل يجب السكوت؟ هل يجب التسليم بأن ما رُسم قد رُسمَ؟ وأن ما حصل كان تسويةً لا تزال صالحة؟ وأن لبنان الكبير يجب أن لا تتغير “تحديداته” السياسية، ولو بعد مئة سنة من تغييرات هائلة في العلوم الكيميائية والفيزيائية… والسياسية؟ أخشى ما يُخشى أننا نؤجل ونكتم ما يعتمل في النفوس. وأن ثمة كرة نار تكبر وستنفجر يوماً بأضرار بالغة.
قال جبران خليل جبران: “لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، ولا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل۔۔۔ لأنك لست نصف انسان”.