تتزاحم الملفات امام ما يسمى بحكومة الوفاق، وتتخذ اشكالاً مختلفة تعكس حالة الانقسام السياسي غير المندمج بعد رغم مظاهر الوفاق التي يصر المنقسمون على وجودها.
فمن التعيينات الادارية الى الانتخابات البلدية وصولا لتأليف الهيئة الوطنية العليا لالغاء الطائفية السياسية وما بينهما من ملفات اخرى تنتظر خروجها الى الضوء، كلما اقتربت الحكومة من الاستحقاقات التي تنتظر، يجد اللبنانيون انفسهم انهم امام مشهد يعيد الى الذاكرة مشاهد الانقسام العمودي التي سادت خلال السنوات الخمس الماضية ولامست اندلاع حروب مذهبية وطائفية وشارع وشارع لولا تلك الاعجوبة التي جمعت المتخاصمين في الدوحة، وبددت اجواء تلك الحالة السائدة، بما يسمى بإتفاق العودة للاحتكام الى المؤسسات الدستورية، بديلاً عن الاقتتال في الشارع، من دون اي مضمون آخر يرسي اسساً ثابتة لهذا الاتفاق، ويحول دون عودة عقارب الساعة الى الوراء كلما عنَّ على بال اي من الطرفين، طلب او رغبة في الحصول على مكسب ما، سياسياً او معنوياً وحتى اقتصادياً.
فأصوات الانقسام حول الملفات البديهية والبسيطة التي طرحت بدأت تتعالى في اتجاهين مختلفين، وكأنها وان كانت لا زالت في أولها اشبه ما تكون بتلك الاصوات التي دأب اللبنانيون على سماعها طوال السنوات الخمس الماضية، والتي اثارت في النفوس الغل والحقد والرغبة في إلغاء الآخر، ولاحقاً في مرحلة زمنية حدود الاقتتال بين الجار وجاره والصديق وصديقه والقريب وقريبه.
البعض يريد ان تجري التعيينات وفق معايير الكفاءة والاخلاص للدولة والحق العام، لان في ذلك السبيل الوحيد بل الأوحد للخروج من دولة المزرعة الى دولة الشعب كل الشعب، والطريق الاوحد لا بل الوحيد لاجتثاث الفساد والمفسدين وبلوغ مرتبة الاصلاح الحقيقي لكي تنهض الدولة وتقوم علي قاعدة العدالة والمساواة وخدمة جميع ابنائها الى اي طائفة او مذهب انتموا.
والبعض الاخر يريد تكريس المحاصصة في الوظائف العامة، بحجة الحفاظ على التوازن الطائفي، ما دمنا نعيش في ظل نظام طائفي، ويريد من خلال هذا التكريس الاجهاز على اي امل بالاصلاح، والابقاء على دولة المزارع التي يحكمها ويتحكم فيها زعماء الطوائف والمذاهب وحتى العشائر المستحدثة، اي التي قامت على حساب العشائر القديمة.
البعض ايضاً يرغب في اجراء الانتخابات البلدية في موعدها، من منطلق احترام النظام الديمقراطي وآلياته بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة في هذا الموقع البلدي او في ذلك، ومن منطلق كونه استحقاقاً أصلياً ديمقراطياً يتوجب احترام وعدم الاخلال بقواعده.
والبعض الآخر يريدها فرصة لتحقيق مكاسب انتخابية بصرف النظر عن احترام العملية الديمقراطية او عدم احترامها واحترام رغبات الناخبين وأدواتهم، ولذا يعارض بقوة إجراءها في مواعيدها ويصر على التأجيل بحجج تبدو في مظهرها منطقية ومحقة وهي في واقعها التفاف على إرادة الاكثرية في الحكومة الممثلة بإجراء الانتخابات وعدم التأجيل كرمى للاعتبارات المصلحية ولحسابات الربح والخسارة بصرف النظر عن حسابات المصلحة العامة.
وبين هذه وتلك يدخل عامل آخر على خط السجال الدائر هو الاخطر وهو إلغاء الطائفية السياسية او تشكيل الهيئة العليا لإلغائها، ويشتد النقاش حوله وتتعالى الاصوات من هنا وهناك بين الاعتراض والتأييد وبين التحذير من الاقدام على هذه الخطوة من دون اخذ الاجماع الوطني بعين الاعتبار بين التحذير من تجاهل هذه الخطوة والوقوف في وجهها، حتى باتت الساحة الداخلية اشبه ما تكون بساعة تستعد للمنازلة بين فريقين بكل اشكال وانواع الاسلحة الطائفية والمذهبية والتحريضية، ما حمل الكثيرين من اللبنانيين على طرح الكثير من التساؤلات حول المغزى والمقصد من توقيت طرح هذا الملف الشائك ومدى توافقه مع الظروف العامة التي تمر بها البلاد، واكثر من ذلك مع المناخات الوفاقية التي يفترض ان تشكل الارضية للحكومة الحالية للنهوض الوطني والاقتصادي والاصلاحي بدلا من غرقهم في جدال عقيم يكون سبيلاً لعودة الانقسام.