
وطن ثابت تعصف به الرياح منذ لحظات تكوينه الأولى، تتناتشه التبعية لمشاريع خارجية، وطن تخترقه الذمية على حساب الوطنية. كتب له ربما ان يخوض طريق الألف ميل، طريق طويلة ملؤها المشقات لينتزع من فم الليث حقه الطبيعي بالسيادة والحرية والإستقلال… عن لبنان لا بل عن الكيان اللبناني أتحدث.
ان يلقي المرء نظرة على تاريخ لبنان يضعه امام جملة تساؤلات محورها سر صمود هذا البلد في ظل رياح الاطماع والجشع التي تحوم حول كل شبر من الـ10452 كلم2، إذ إن لبنان كان قد تفرد بشكله الوطني فيما لم يكن هناك وجود للأوطان حوله إنما لبدو وحضر، مما جعله عرضة لرغبات الجميع وعصيا عليهم في آن. تلك الرياح التي لاقت تاريخياً اذرعاً لها في الداخل فشكلت ولا تزال حتى يومنا هذا خطرا محدقاً بكيان لبنان وكينونته، هي نفسها التي وَلدت من رحم الثورة صوتاً شجاعاً يقف في وجهها ويمنعها من القضاء على لبنان “اللبناني”.
ذلك اللبنان “اللبناني” طُعن بأيادٍ لبنانية مرات عديدة، فمن متصرفية جبل لبنان الى لبنان الكبير يوم كانت الخناجر التي تغزّ في كيان الوطن لبنانية، مع موجة الرافضين لقيام لبنان الكبير المتمسكين بصورته القديمة، ممن يؤمنون بأن لبنان جزء لا يتجزأ من سوريا الكبرى طاعنين بفكرهم هذا صميم الكيان اللبناني. ولكن صوت الحق يعلو ولا يعلى عليه مهما دارت الايام وعلت اصوات الباطل، فكانت قيامة لبنان الكبير، لبنان الـ10452 كلم2 عام 1920.
لم يمحُ هذا الحدث الكبير مشاهد الذمية في لبنان والتي استمرت تضعه بين مطرقة الإنتقاص من سيادته وسندان قيام كيانه حراً. كرت “السبحة” مع مواجهة الإنتداب الفرنسي، يوم وقف رجال الدولة مطالبين بالكيان اللبناني بوجه المنتدب، فيما كان بعض النفوس القابعة في أوكار المصالح الضيقة والرشاوى والإنحدار يتعامل مع السلطات الفرنسية ضد المطالبين بإستقلال لبنان. علماً انه لا يمكن التنكر لدور فرنسا التاريخي في صداقتها مع لبنان، إلا ان الانتداب يبقى انتداباً، ثقيلاً على نفوس الاحرار.
حقاً، إن التاريخ اللبناني يحتوي على امور شائكة وغريبة، فكيف لحامل الهوية اللبنانية ان يكون انتماؤه الأول لسواها؟ كيف يمكن للبناني ان يكون ذمياً متنكراً لأرض وجودها، هو ضمانته الأولى والأخيرة، فيما اثبت مسار العالم التاريخي ان خسارة الأرض هو أكبر خسارات الإنسان، وبعيداً عنها يغدو مشرداً، غريباً، ناقصاً؟!. قد يكون الدليل الاكبر للتساؤل الأخير ما يحدث مع الشعب السوري اليوم وهو مشرد في اقطار العالم ويشكل ثقلاً على الدول المجاورة وابرزها لبنان، منتظراً مصيره بين اتفاقات دولية كبيرة، الإنسانية في قاموسها تفصيل بسيط لا قيمة له.
عند الحديث عن الارض واهميتها، حكماً نستذكر اجدادنا الذين قاومت عيونهم المخرز منذ 1400 سنة، اجدادنا الذين رفضوا الرحيل عن ارضهم ورفضوا الذمية والانتقاص من كرامتهم، فكان خيارهم المقاومة، عاشوا وتعايشوا مع ارض وعرة صعبة كأرض وادي قنوبين، عاصي الحدث وعاصي حوقا ليبقى وجودهم حراً في هذا الشرق. تاريخ اجدادنا مع البطريرك الأول يوحنا مارون استمر مع “القوات اللبنانية” التي كانت فدرالية احزاب سيادية، واجهت الاحتلال الفلسطيني والسوري فقدمت 15000 شهيد رايتهم الأولى الكيان اللبناني والحرية التي متى عدمناها عدمنا الحياة. كان آنذاك بعض حاملي الهوية اللبنانية يساعد السوري والفلسطيني على اغتصاب ارضنا ودحر مؤسساتنا وجيشنا، وإحكام القبضة الحديدية على قيام الدولة والجمهورية القوية.
من التاريخ القديم، الى تاريخنا الحديث المغيّب عن كتب التاريخ بسبب التنكر للحقيقة من بعض من سبق وتحدثنا عنهم. مسلسل الانتقاص من الكيان اللبناني ومواجهته استمر. بيان المطارنة الموارنة في العشرين من ايلول 2000 تصدى لإنتهاك الكيان اللبناني من قبل المحتل السوري وأذرعته الامنية في لبنان، وكان المدماك الصلب لخروج الجيش السوري في 26 نيسان 2005 مرغماً وقيام ثورة الأرز.
يد الطامعين، المراهنين على عدم الاستقرار في لبنان لتحقيق اهدافهم امتدت من جديد الى الكيان اللبناني في 14شباط 2005، فإغتيل الرئيس رفيق الحريري، وكان اغتياله قيامة للبنان ادت لولادة فكر وحركة “14 آذار” السيادية الوطنية التي تصدت بدورها لكل محاولات خنق انفاس لبنان الكيان. وولدت “١٤ آذار” في مواجهة حركة “8 آذار” المدافعة الشرسة عن النظام السوري الطامع تاريخيا بلبنان.
26 تموز 2005، خرج قائد “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع من السجن بقرار سياسي تماماً كما دخله عام 1994، يوم ساد التنكيل واعتقال شباب “القوات” بالجملة في ظل سيطرة تامة للنظام الأمني السوري – اللبناني. وسط هذا المشهد، برزت مقاومة حقيقية من داخل حدود زنزانة كرست الحرية التي لا تقهر في وطن كان قد خضع جزء كبير من ابنائه للقهر والذل. خرج سمير جعجع حراً كما كان طيلة فترة اعتقاله.
من محاولات السيطرة الى إجرام لا حدود له، امتد الى رجال وطنيين بإمتياز، وليد عيدو، جبران التويني، سمير قصير، جورج حاوي، باسل فليحان، وسام الحسن، بيار الجميل، أنطوان غانم، محمد الشطح، مي شدياق ومروان حمادة… إلا ان المقاومة استمرت والحفاظ على لبنان الكيان بقي حياً، ومهدداً في آن مع وجود سلاح “حزب الله” غير الشرعي.
“حزب الله” اليوم بممارساته يشكل خطراً على السيادة اللبنانية، وانتقاصاً وتحدياً لمؤسسات الدولة التي ثمة قوى تعمل جاهدة لتقويتها. يضع الحزب انتماءه الأول في عهدة ولاية الفقيه والمحور الإيراني السوري وقد جاء ذلك على لسان السيد حسن نصرالله، مفتخراً بكونه جنديا في صفوف تلك الولاية. ولكن هناك من يقف بالمرصاد وحلم الهلال الخصيب بوجود القوى السيادية سيبقى صعب المنال.
هذه النظرة التاريخية، تؤكد بما لا يحتمل الشك ان الكيان اللبناني لطالما كان منذ ولادة لبنان الكبير قضية خلافية بين الحق والباطل، بين الحرية والذمية، بين حب الارض والموت في سبيلها وبيعها بـ30 من الفضة.
كما تؤكد ان جنود كيان لبنان صامدون دائماً ابداً، في هذه البقعة الجغرافية بالذات، مدافعين عن الحرية حيث لا لم ولن يجرؤ الآخرون بهدف حماية الكيان وانتزاعه من المحاولين تقييده وجعلنا نقطة في بحر حساباتهم.
فبين لبنان والحرية زواج ماروني، وهو عنصر مقدس في صلب كيانه وقيامته، وكان قد قالها البطريرك الماروني التاريخي مار نصرالله بطرس صفير: “بين العيش المشترك والحرية، نختار الحرية”. وهنا تجدر الاشارة الى ان المسيحية في لبنان صنعت وطناً أرادت فيه الآخر المختلف شريكا ولم تصنعه للمسيحيين، الا ان شرطها الدائم الحرية والوجود المسيحي الحر في هذا الشرق.
ولعبت الكنيسة اللبنانية دوراً فائق الاهمية في التاريخ اللبناني السيادي، وهي مميزة كونها في مهد المسيحية والشاهد الوحيد المتبقي للمسيح في هذا الشرق، ليس فقط من الناحية الإيمانية، بل هي الشاهد الوحيد على ان المسيحية هي الثورة الثقافية الثانية بعد اللغة بتاريخ الإنسان وليس الحضارة.
هذه المسيحية نفسها حملت لبناننا الى العالم، إذ جعلت من لبنان علاقة فرادة بين الشرق والغرب، لا يتنكر لمشرقيته ولا يتنكر بتواصله مع الغرب فغدا منفتحاً على الحضارة العالمية ومشاركاً فيها. وهذا الانفتاح كياني بقدر الوطنية والتعددية والحرية.
فلبنان ليس وليد الصدفة إنما هو نتيجة نضال تاريخي مديد، لذلك كان أول كيان سياسي حتى قبل سوريا الحالية. وفي التاريخ القديم كان إسم سوريا “سورية اللبنانية”. وهذه التسمية وردت في مؤلفات الرومان.
هنا فإن المقاومة اللبنانية هي بمواجهة العالم لتحقيق الحرية والسيادة اللبنانية والحفاظ عليها لأن مميزات لبنان آخر اشكالها “القوات اللبنانية” التي شهدت للبنان بأسمى وسائل الشهادة… الدم.
إذاً، الكيان اللبناني هو التجسيد السياسي والقانوني لهذا اللبنان الرسالة. لبنان الكيان ثم الدولة، الذي لا يمكن فهم فرادة نضاله إلا سندا للبنان ذاته كما يقول شارل مالك.
كيان لبنان هو ضمانتنا، سيادته هي اساس وجودنا وسنبقى في طليعة المدافعين عنها مهما كلفنا الأمر، فأي خسارة مهما بلغ ثمنها تبقى رخيصة، لا بل رخيصة جداً امام خسارة كياننا… كيان لبنان.
ملاحظة: هذا المقال شاركت فيه الزميلة مستيكا الخوري في جائزة “الكلمة الحرة” التي نظمتها اللجنة الإعلامية في منسقية ـ بشري في “القوات اللبنانية”.
