وضع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع النقاط على حروف مصالحة الجبل التي وصفها بـ”أهم خطوة حصلت في آخر 50 عاما”، وأكد “تمسكه بالمصالحة حتى النهاية وبذل كل شيء للحفاظ عليها”.
وبهذا الموقف برهن الدكتور جعجع أن “القوات” تمثِّل شبكة أمان وطنية فعلية ترفض الخلط بين الخلافات السياسية والجوانب الميثاقية التعايشية. فمصالحة الجبل طوت صفحة انقسامية تعود جذورها في اللاوعي المسيحي – الدرزي إلى العام 1841 مروراً بأحداث 1860 و1983. ومصالحة الجبل أسست لعلاقة مستقبلية تقوم على التفهم المتبادل والتفاعل المشترك والعيش الواحد في الجبل.
وليس تفصيلاً أن النائب وليد جنبلاط الذي شهدت العلاقة السياسية معه منذ آب 2001 صعوداً وهبوطاً حرص باستمرار على التمييز بين مواقفه السياسية وبين تمسكه بالمصالحة التي تعلو ولا يعلى عليها. وقد أظهر جنبلاط في محطات عدة آخرها الانتخابات الرئاسية، حرصه على الجانب الميثاقي، حيث أتى تأييده لانتخاب العماد ميشال عون ليس من منطلق علاقته التحالفية مع عون، وهي غير قائمة، إنما بفعل تأييد جعجع لعون وبروز أكثرية مسيحية مع هذا الخيار.
وقد أكد الدكتور جعجع أن “من يُقاتل هو من يُصالح”، و”القوات” و”الاشتراكي” كان عندهما فائض الجرأة للمصالحة برعاية البطريرك التاريخي مار نصرالله بطرس صفير، وهما أحرص ما يكون على تحصين المصالحة.
وفي موازاة البعد الميثاقي – التعايشي للمصالحة لا يمكن التقليل من البعد الوطني – السيادي الذي أطلقته مصالحة الجبل وتفجّر في ثورة شعبية مليونية في 14 آذار 2005 أدت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان. وليس خافياً على أحد ان النظام السوري كان يعمل على طريقة “فرِّق تسد” وتخويف المسيحيين من المسلمين والعكس، فجاءت مصالحة الجبل لتضع حداً لنفاق هذا النظام وتؤسس لعرس وطني تجسد في انتفاضة الاستقلال.
و”القوات اللبنانية” لن تسمح في العودة إلى سياسة “فرِّق تسد”، ولا بالعودة إلى ما قبل مصالحة ساحة الشهداء ومصالحة الجبل، ولن تسمح بتحويل أي خلاف سياسي إلى خلاف طائفي، والدليل ان خلافها الاستراتيجي والبنيوي مع “حزب الله” لم تحوِّله يوماً إلى خلاف مسيحي – شيعي، إنما وضعته باستمرار في سياق الخلاف في الخيارات الوطنية الكبرى بين لبنان الدولة والسيادة والاستقلال والسلاح الواحد بيد القوى العسكرية الشرعية، وبين لبنان الساحة المستباحة وصندوق البريد والسلاح المتفلت بحجج واهية وأعذار ساقطة.