دخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة، ما بعدها غير ما قبلها، مفتوحة على شتى الاحتمالات والمفاجآت، ويصعب التكهن بمسارها وتطوراتها، والاستقالة خطوة من ضمن خطوات، وحلقة من ضمن
حلقات، وغير معزولة عن سياق دولي وإقليمي بدأ مع الإدارة الأميركية الجديدة وتوِّج في قمة الرياض التي وضعت خريطة الطريق لعنوان تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة.
والسؤال الأساس الذي طرح ويطرح على أثر الاستقالة: “هل كان يمكن تجنب الاستقالة؟ وكيف؟”.
وفي الإجابة بالتأكيد كان يمكن تجنبها لو التزم “حزب الله” بالمرتكزات السياسية التي قامت عليها التسوية السياسية تحت عنوان النأي بالنفس، ولكن خروجه المتكرر عن هذه السياسة في محاولات يائسة لوضع اليد على لبنان الرسمي وجعله جزءًا لا يتجزأ من محور الممانعة استدعى ردًا من هذا النوع.
ولو ارتدع هذا المحور وأخذ في الاعتبار تلويح “القوات اللبنانية” مرارًا وتكرارًا بالاستقالة بسبب الانتهاك المتواصل لسياسة النأي بالنفس، لما كانت وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، وبالتالي الطرف الذي يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور هو “حزب الله” ومن أمامه وخلفه وجنبه.
فـ”القوات اللبنانية” حذرت ورفعت الصوت عاليًا في كل محطة تجاوز فيها “حزب الله” سياسة النأي بالنفس، ونجحت منذ تأليف الحكومة إلى يوم الاستقالة في فرض التوازن داخل الحكومة بمنع الحزب من ترجمة سياساته رسميًا، كما نجحت في فترة قياسية بتقديم نموذج استثنائي عن ممارسة سياسية تستظل الدستور والقوانين المرعية وتسعى لقيام دولة فعلية خالية من اي سلاح غير شرعي، وخالية من الفساد والزبائنية والمحسوبيات السياسية.
وفي السياق هناك من يحاول باستمرار التذاكي والمزايدة التي تحولت إلى نهج سياسي لديه، وعدم دخوله في التسوية كان نتيجة حسن قراءته لما ستؤول إليه الأمور، علمًا أن القاصي يعلم كما الداني انه كان يطرق كل الأبواب ليحجز لنفسه وزارة، فضلا عن ان كل مرحلة في السياسة لها سياقها وظروفها وعواملها، وما صح اليوم ما كان ليصح بالأمس، وبالتالي القفز فوق كل تلك الاعتبارات من أجل تسجيل الانتصارات الوهمية في سياق “سياسة شعبوية” دليل إفلاس سياسي لا أكثر ولا أقل.