#adsense

تغييب مسيحيّي الشرق عن الشراكة في العالم العربي

حجم الخط

النظام السوريّ يستكمل حلقات الضغط على العيش المشترك في المنطقة
ويعترض مبادرات الانفتاح الإسلامي ـ المسيحي

تغييب مسيحيّي الشرق عن الشراكة في العالم العربي
نصير الأسعد

 

في الفقرة التي ختمت بها مذكرتها بمناسبة إنعقاد القمّة العربية في دمشق، وضعت 14 آذار يدها على مسألة بالغة الخطورة ناجمة عن دور النظام السوري في الأزمة اللبنانية.


تقول المذكّرة إنّ “إصرار النظام السوري على إفراغ موقع الرئاسة في لبنان أمر ذو دلالات سياسية خطيرة جداً، إنما الأخطر من ذلك هو إنعكاس غياب رئيس الدولة العربي المسيحي الوحيد على مسألة الحوار الإسلامي ـ المسيحي في الشرق، وهذا الغياب الذي يحصل للمرّة الأولى في تاريخ القمم العربية هو رسالة سورية مفخّخة لقضية العيش المشترك في لبنان والعالم العربي والإسلامي”.


غياب الرئيس اللبناني = تغييب مسيحيي الشرق
إن ما تكشف عنه 14 آذار في هذا النصّ، هو في واقع الأمر عدّة عناوين مجتمعة.
فليس فقط يحصلُ أول غياب للبنان عن قمّة عربية في تاريخ القمم. وليس فقط يحصلُ أول غياب للرئيس اللبناني، العربي المسيحي الوحيد عن قمّة عربية. انه أول تغييب لـ”مسيحيي الشرق” عن قمّة عربية، أي عن الشراكة الإسلامية ـ المسيحية في العالم العربي.


ذلك انّ الرئيس اللبناني، المسيحي، هو في آن تجسيدٌ للموقع المسيحي ضمن الشراكة الوطنية اللبنانية وتأكيد على العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي في هذا البلد، وتجسيدٌ لموقع مسيحيي الشرق في المنطقة العربية، كون مسيحيي لبنان مثّلوا دائماً الجماعة الأكثر دينامية من بين مسيحيي الشرق وإنطلاقاً من لبنان ذي الصيغة الفريدة.


التزامن مع ما يتعرّض له مسيحيّو المنطقة


يحصلُ هذا التغييب في وقت يتعرّض مسيحيّو الشرق للإضطهاد والعنف والتهجير في العديد من دول المنطقة، ويتعرضون للتهميش في بعضها الآخر، ولـ”التناقص” في بعضها الثالث. ويحصل في وقت يرفع مسيحيّو الشرق الصوت عالياً محذّرين من العودة بالمنطقة إلى أزمنة غابرة ومن الخسائر الصافية بل “الإستراتيجية” التي يحصدها العالم العربي جرّاء ما يتعرّضون له، لا سيّما بالنسبة إلى موقع المنطقة كنموذج حضاريّ للاخوّة الإسلامية ـ المسيحية.
لذلك، فإنّ “الوجه” الأول لهذا التغييب هو انّ النظام السوري يستكملُ “حلقات” الضغط على العيش المشترك في عموم المنطقة العربية.


..ومع مبادرات إنفتاحية في المقابل


لكنّ هذا التغييب يحصل في المقابل، في وقت ثمّة مبادرات على غير صعيد لتأكيد العيش المشترك وتجديد الحوار الإسلامي ـ المسيحي والاتفاق على دور مشترك لمسلمي المنطقة ومسيحييها “بين” الحضارات في العالم. فالزيارة التاريخية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى الفاتيكان حيث التقى رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا بينيديكتوس قبل أسابيع، هي مبادرة حوار وتفاهم.


والدعوة التي وجّهها الحبر الأعظم إلى لقاء ثقافي ـ ديني الخريف المقبل، هي مبادرة حوار وتفاهم. ومثلهما، كان المجمع البطريركي الماروني في لبنان أجرى في العام 2006 قراءة تاريخية للعلاقة المسيحية ـ الإسلامية لينتهي إلى التشديد على الحوار وتأكيد العيش المشترك.


لذلك فانّ “الوجه” الثاني لهذا التغييب هو انّ النظام السوري يحاول تدمير مبادرات الإنفتاح الإسلامي ـ المسيحي.
وخطورة عدم حضور لبنان القمّة العربية وغياب الرئيس العربي المسيحي الوحيد، ممّا يعني تغييباً لمسيحيي الشرق، هي ـ أي الخطورة ـ تكمن في انّ ذلك كلّه يحصل على تقاطع “الوجهَين” الآنفين: إستكمال حلقات الضغط على العيش المشترك في المنطقة من جهة وتدمير مبادرات الإنفتاح من جهة أخرى. لكأن النظام السوري بإنخراطه طرفاً في معظم أزمات المنطقة العربية، يسعى إلى إعادة صوغ قواعد العيش في هذه المنطقة.


النظام السوري في لبنان..وفي المنطقة


في لبنان، تمهيداً لوصايته عليه وأثناء هذه الوصاية وبعد إنسحابه، كان همّ النظام السوري “إدارة” الوضع بما يمنع التقارب بين اللبنانيين. “وضَع” المسلمين في وجه المسيحيين ثم “وضَع” المذاهب ـ الإسلامية ـ في مواجهة بعضها.
“وحتّى الآن”، كان الإعتقادُ انّ النظام الحاكم في دمشق “يخصّ” لبنان بهذا النوع من التعامل. والإعتقاد هذا مبنيٌّ على واقع انّ النظام السوري يتطلّع إلى ضرب الركيزة الأساسية لوجود الكيان اللبناني أي صيغة العيش المشترك، وانّه يتطلّع إلى ضرب دور لبنان في المنطقة وبين الشرق والغرب من خلال تدمير العيش المشترك، وذلك في إطار هدفه إلحاق لبنان وإعادة تأسيس “سوريا الكبرى”.


غير انّه يتبيّن تباعاً انّ النظام السوري يحاول “تعميم” تجربته في لبنان (!) على المنطقة. ودورُه التخريبي في العراق ليس بعيداً عن هذه “القاعدة”: تشجيع الكلّ على مقاتلة الكلّ.. وتفريغ العراق من طاقاته من مختلف الطوائف.
وإذا كان يُمكن، في ضوء هذه المقدّمات، إستنتاج أن تغييب مسيحيي الشرق عن القمة ليس مجرّد “نتيجة” للفراغ الرئاسي في لبنان، أي أنه ليس “صدفة” أو أمراً معزولاً عن سياق متكامل، فإن السؤال الذي يُطرح هو الآتي: ما هي “الأسباب” وراء ذلك؟


“تحالف إقليمي أقلّوي”؟


من المفيد جداً، في محاولة الجواب عن هذا السؤال، تذكُّر عدد من المعطيات الرئيسية.

وفي المعطيات أن النظام السوري “يتحالف” مع إيران و”يقيم علاقة” مع إسرائيل. الحليف الإيراني هو “دولة دينية”، وإسرائيل “دولة دينية” أيضاً. “إيران الشيعية” تمثّل أقلية إسلامية وإن كانت الأقلية الشيعية ـ قياساً الى أكثرية إسلامية سنية ـ ليست كلها موالية لإيران. و”إسرائيل اليهودية” تمثّل أقلية في المنطقة. والنظام السوري هو نفسه نظام طائفي أقلّوي في سوريا.


في المعطيات إذاً أن “التحالف” مع إيران من جهة و”العلاقة” مع إسرائيل من جهة ثانية، هما أمران سياسيان. يدافع النظام السوري عن نفسه بهما. لكنهما، أي “التحالف” و”العلاقة”، يحصلان مع دولتَين إقليميّتين دينيّتين أقلوّيتين، ولو كان الفرق شاسعاً بين الأقلية الشيعية (بالملايين) وبين الأقلية اليهودية. وبهذا المعنى، إن الظاهر من هذا التموضع الإقليمي للنظام السوري، هو أنه نوعٌ من “تحالف أقليات” إقليمي.


لذلك، فإن الجواب عن السؤال السابق هو سؤال: هل هذا ما يجري إقليمياً الآن بالفعل؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، لا يعود تغييب مسيحيي الشرق عن القمة بتغييب الرئيس اللبناني العربي المسيحي مستغرباً، ولا يعود “الاستنفار” العربي إزاء قمة دمشق وفي وجه النظام السوري مفاجئاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل