خيرُ ذا بشرِّ ذا، فاذا الله قد عفا. واذا بمجلس النواب، واستناداً الى ما يشبه الاجماع، يلجأ الى أهون الشرّين، فلا يكتمل نصاب "جلسة الإحراج"، ولا يتعرَّض البلد لهزَّة امتحان سياسي جديد لا يخلو من "النكهة" الطوائفيَّة".
وعلى هذا الأساس، ومن هذا الباب والمخرج، نجا التوازن من تجربة ليس على قدر حجمها ووزنها وعزمها.
فكان أن أُرجئت الجلسة النيابية، ليُرجأ على أثرها ومعها مشروعان متلازمان، أو باتا متلازمين منذ إشهار العزم على خفض سن الاقتراع الى الثماني عشرة سنة وانضمام قانون استعادة الجنسيَّة ومنح المغتربين حق الانتخاب الى البازار.
أما عن الأسباب الحقيقيَّة الجوهريَّة، فحدِّث ولا حرج. وخصوصاً ما يتصل منها بالتوازن الطائفي الذي أصبح مكسر عصا ومضرب مثل، والذي يتعرَّض في هذه المرحلة لتجارب وهزَّات متتالية لم تتضح بعد كل جوانبها ومراميها وأبعادها.
مع أنَّ المكتوب يُقرأ من عنوانه.
ومع ان القاصي يعرف والداني يعرف ان لبنان مركَّب من طوائف لكل منها موَّاله ومشاريعه وهواجسه وتطلعاته وارتباطاته.
ومع كل ان كل الدراسات، والاقتراحات، والمطالعات، والاجتهادات التي حفل بها مؤتمر الطائف ركّزت على نقطتي أو بندي التوازن بين المسيحيّين والمسلمين، وعلى أساس المناصفة. ودون النظر الى عدَّادات التناسل والتزايد، صعوداً أو هبوطاً.
ثم تثبيت هذه "القاعدة" شفهيّاً على الأقل في مؤتمر الدوحة، وعطفاً على مؤتمر الحوار الذي سبق ذلك الطوفان من الانهيارات التي تلت العدوان الاسرائيلي في صيف 2006.
وفي كل امتحان وتجربة ومواجهة يتضح أكثر فأكثر أن لبنان ذا النظام الديموقراطي البرلماني والحريّات العامة والفرديَّة، هو في واقعه وتركيبته وصيغته بلد طائفي مشيَّد فوق "تواطؤ" ضمني لبناني عربي دولي، ولأسباب تفوق الوصف، وتتعدَّى تميُّزه بالكبّة والتبّولة، والمناخ اللذيد، وهَـ الكم أرزة العاجقين الكون.
والرئيس نبيه بري لا تفوته هذه الناحية حتماً. وإن يكن هدفه من مشروعيه المتتاليين يصبُّ، في اعتقاده، في خانة تخفيف وطأة الطائفية، والتمهيد لوضع القطار اللبناني على سكة النظام المدني والعلمنة.
انطلاقاً من هذه "الثوابت" القديمة والماثلة في الاذهان والتصرّفات وتوزيعات المناصب والمكاسب والمؤسسات، يحقُّ لبعض المراقبين والمتابعين أن يتساءلوا عن جدوى ابقاء "البلد" قيد الدرس، وقيد المراجعة، وقيد التجارب، وقيد المحاولات والمنازلات والكباشات، وقيد القيود.
هذا هو لبنان. بخطوطه العريضة والرفيعة. بطوائفه الكبيرة والصغيرة. بقوته وضعفه. وبتاريخه "العامر" بالحروب والغزوات والثورات التي دارت كلها حول مَنْ يسيطر على الآخرين والسلطة والقوة، ومَنْ هم الرعايا والمواطنون الذين يدفعون الجزية والخوَّة للاقوى.
لقد سبق الفضل، وجرَّبت الطوائف الثلاث الكبرى حظّها. وكل واحدة منها بدورها خاضت حرباً ضروساً هدفها الاول والأخير الهيمنة والاستئثار والتفرُّد:
الموارنة كانوا، كعادتهم، سبّاقين في هذا الحقل المفخَّخ والمليء بالالغام.
اما السنَّة فقد فعلوها من منطلق أنهم أوْلى بالمعروف والحكم، كونهم يسندون ظهورهم الى منطقة تخصّهم.
حتى وصل الدور الى الشيعة، الذين ما زالوا حتى الساعة يصرّون على المضي بمشروعهم "الأكثري"، رغم معرفتهم ان "الصيغة" اللبنانية تعطي أصغر طائفة ما تعطيه حتى للأكبر عدداً، من زاوية الدور والمطرح والقرار، لا بالنسبة الى توزيع المناصب والمغانم والمكاسب.
وما دام الجميع عندهم الخبر اليقين، وبعد تجارب قاسية، فإلامَ اذاً هذه الدفرسوارات وهذه الاقتحامات وهذه الحنجلات؟
ما يحصل منذ فترة أعاد الطوائفيين الى طوائفيتهم، والى كهوفهم، والى عصبيّاتهم التي توارت في السابق… حياءً لا أكثر.
فهل هذا هو المطلوب؟