سقوط الطائرات المدنية ليس شيئا جديدا في عالم الكوارث والمآسي. فلقد تحطمت طائرات كثيرة وسيتحطم الكثير غيرها. و"الصندوق الاسود" الذي غالبا ما يصير هدفا اساسيا للبحث عن الحقيقة والاسباب، التي تقف وراء المأساة، ليس في النهاية الا ذلك الصندوق الذي يدوّن احيانا احداثيات السقوط الفاجع، ليكون عمليا صندوق الموت، لا فرق عمليا بينه وبين الطائرة التي تتحول مقبرة جامعة سواء سقطت في لجج الماء او على قمم الجبال.
لكن لبنان بلد مترع بالمآسي وطافح بالاحزان وغارق لأعوام سابقة في الفواجع، الى درجة لم يعد في وسع اهله ان يتحملوا اخبارا كارثية كتلك التي هبطت عليهم فجر امس مع سقوط الطائرة الاثيوبية في بحر هائج وطقس عاصف، لم يلبثا ان وسّعا مسرح الموت الرهيب من شاطئ السعديات صعودا الى المطار والرملة البيضاء، ومن يدري ربما شمالا، حيث تحالفت الرياح مع الامواج على جرجرة قلوبنا على امتداد الشاطئ المزبد.
❑ ❑ ❑
وجدانياً وانسانياً، ليس قليلا ان ينام المرء على دوي هول الموت، وهو يراقب عبر التلفزيون صور الشاحنات القلاّبة تلقي بالتتابع الوحشي في بطن الارض، جثث الموتى ضحايا الزلزال في هايتي، الذي قتل 150 الفا في العاصمة المدمرة وحدها بور – أو – برنس، ثم يستيقظ على نبأ فاجعة الطائرة الاثيوبية وقد تحولت بدورها "شاحنة" الموت، تلقي بما يزيد على 90 ضحية في اللجة البحرية عند بطن البحر، وهو ما ذكّرنا ونحن نراقب الهول، بما قاله القديس اوغسطينوس يوما: "ان البحار ملأتها دموع الذين سبقونا". وذلك في اطار تدليل على البؤس الانساني المطلق، سواء كان نتيجة حرب او سقوط طائرة او حتى دخول هادئ الى مسرح الحياة لن يلبث ان ينتهي في قبضة الموت!
الموت سيد الخواتم لا ينسى ابدا ان يصل. لكنه احيانا يقتحم حياة الكثيرين منا بمنتهى الوحشية والفظاظة، كما حصل امس، عندما ابتلع ضحايا الطائرة المنكوبة، وقلوب الاهل والاصدقاء المنكوبين هم ايضا، وكذلك هذا الوطن، الذي بات يرتعد امام الفواجع مثل قشة في مهب عاصفة.
فاجعة الطائرة الاثيوبية ليست الاولى في عالم التحليق، ولن تكون الاخيرة وإن كنا نرجو ونتمنى ان لا نشاهد مثل هذا الهول ثانية، فلقد جلس اللبنانيون ساعات في قلب الاسى لا يدرون ما اذا كان الموت او الموج هو الذي يلطم وجوههم وعيونهم وقلوبهم.
ولم يكن غريبا ان تبدو الدولة اللبنانية في كل مستوياتها في حال من الذهول والألم والاستنفار، فالمسألة هنا ليست مسألة مسؤولية ومسؤولين فحسب، إنها، سيكولوجيا على الاقل، مسألة وطن مثل كوب طافح بالمآسي، وقد هوت اليه الطائرة الاثيوبية ليفيض الألم كالبحر.