#dfp #adsense

التسوية المطلوبة: من استقالة رفيق الحريري 2004  إلى استقالة سعد الحريري 2017

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1638

قبل أن يعود إلى بيت الوسط ليل الثلاثاء 21 تشرين الثاني الحالي انتقل الرئيس سعد الحريري مباشرة من مطار بيروت إلى ساحة الشهداء ليقف أمام ضريح والده الرئيس رفيق الحريري ويقرأ الفاتحة. أكثر من مرة فعل ذلك ولكن هذه المرة كانت لها رمزيتها. في المرة الأولى التي وقف فيها كان يدرك أهمية الدور الذي ينتظره بعد اغتيال والده معلنا أنه سيكمل الطريق وأن بيت رفيق الحريري لن يقفل. كان ذلك مباشرة بعد حادث الإغتيال في 14 شباط 2005. وكان سعد الحريري يعرف مدى خطورة المهمة التي يتولاها وأنه يدخل مغامرة محفوفة بالمخاطر ذلك أنه لم يكن من السهل أن يرث دور رفيق الحريري الذي أراد الذين اغتالوه أن تكون نهايته في تلك الحفرة التي خلّفها الإنفجار الكبير.

عندما ذهب رفيق الحريري إلى دمشق للقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في آب 2004 سمع منه تهديدا مباشرا بأنه مستعد لتدمير لبنان على رأسه إذا لم يوافق على التمديد للرئيس أميل لحود. لم يكن الرئيس الحريري يرغب بهذا التمديد وكان رافضا له ولم يستطع أن يرد على تهديدات الأسد وكان يدرك أن المجتمع الدولي يعارض التمديد قبل أن يتم اتهامه بأنه كان وراء القرار 1559 الذي أصدره مجلس الأمن ونصّ على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وسحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح “حزب الله”. على رغم وقع هذا القرار مشى الرئيس رفيق الحريري بالتمديد على أساس أنه سيجنبه الإنتقام. ولكن المحاولة فشلت.

بعد التمديد أُرغم الرئيس رفيق الحريري على الإعتذار عن تأليف الحكومة. أعدَّ البيان وحمله إلى قصر بعبدا وكانت عبارته الشهيرة بأنه يستودع لبنان الحبيب بين يدي الله أكثر ما بقي راسخا في الذاكرة تدليلا على خطورة المرحلة التي تنتظر لبنان. كل ذلك لم يمنعه من الإتصال في آخر العام 2004 بالسيدة ستريدا جعجع لمعايدتها بعيد الميلاد وبالتمني بأن “يكون الدكتور سمير جعجع بيننا في العيد المقبل”. كان يدرك أن مثل هذا الإتصال سيكون مسجّلا وسيسمعه النظام السوري، ولكن في تلك المرحلة كان واضحا أن تحدّي النظام السوري مستمرّ، وأن بذور ثورة الأرز آخذة في النمو وان انتخابات 2005 ستكون هي المقياس ولكن قبل بلوغ تلك المرحلة تم اغتيال رفيق الحريري.

بعد 12 عاما على ذلك الإغتيال لم تتبدِّل الأسباب التي أدِّت إليه كثيرا. إخراج جيش النظام السوري من لبنان كان يعني إنهاء عهد الوصاية ونزع سلاح “حزب الله” كان يعني ولا يزال استعادة الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وبالتالي عودة الدولة والمؤسسات وفصل لبنان عن أزمات المنطقة وربما هذا ما يمكن أن ينطبق على مطلب النأي بالنفس. منذ اغتيال الرئيس الحريري بقيت هذه القضايا معلقة وكان على الرئيس سعد الحريري  أن يستمر في مواجهتها وقد تم دفع أثمان باهظة لقاء ذلك من 7 أيار 2008 إلى إسقاط حكومته في كانون الثاني 2011 قبل شهرين من انطلاق الصراع في سوريا.

على مدى أربعة أعوام بقي الرئيس سعد الحريري تقريبا خارح لبنان وخارج السلطة. مرحلة هذا الغياب القسري الذي قارب التغييب كان لا بد من أن تنتهي مع انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية. تأسست هذه المرحلة مع تبني “القوات اللبنانية” ترشيحه من معراب ثم مع اتخاذ الرئيس سعد الحريري هذا الخيار للخروج من مأزق الفراغ الرئاسي والتأسيس للعودة إلى السراي الحكومي  بناء على تسوية شاملة تأخذ بالإعتبار مسائل تأكيد السيادة اللبنانية لناحية سلطة الدولة ووحدانية سلاح الجيش اللبناني وإخراج سلاح حزب الله من المعادلة الداخلية والنأي بالنفس عن أزمات المنطقة وعدم التطبيع مع النظام السوري وإعادة الروح إلى مؤسسات الدولة اللبنانية ومحاربة الفساد. وعلى هذا الاساس لم تعارض المملكة العربية السعودية انتخاب عون وتكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابه على أن يتم احترام هذه التسوية وتحقيق التوازن في السلطة من خلال مجلس الوزراء. ولكن ما حصل لم يكن كذلك حيث أن “حزب الله” حاول أن يتجاوز هذه التسوية وشروطها وأن يفرض انقلابا عليها.

بداية محاولة الإنقلاب كانت في احتفالات استقلال 2016 عندما نظم “حزب الله” في القصير التي احتلها في سوريا عرضاً عسكرياً لوحداته القتالية موازيا للإحتقال العسكري الذي نظمه الجيش اللبناني، وكان الأوَل بعد انتخاب العماد عون بعدما كان تأجل ثلاثة أعوام بسبب الفراغ في قصر بعبدا. وتوالت خطوات تكريس سيطرة “حزب الله” على قرار الدولة وتدخله في سوريا والعراق واليمن والبحرين والتهجُّم على المملكة العربية السعودية، الأمر الذي شكّل أيضا انقلابا على مسألة النأي بالنفس ونقلا عمليا للبنان إلى ما يسميه محور الممانعة الذي اعتبر أنه انتصر في العراق وسوريا. وقد كرّس هذه المعادلة كلام الرئيس الإيراني حسن روحاني عن أن لا يمكن اتخاذ أي قرار في لبنان من دون موافقة إيران. ويضاف إلى ذلك محاولة فرض التطبيع مع النظام السوري من خلال زيارة عدد من الوزراء إلى دمشق ثم تقديم السفير اللبناني الجديد هناك أوراق اعتماده إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد بينما كان بالإمكان الإكتفاء بتعيينه وبعدم تقديمه هذه الأوراق. لقد اعتقد “حزب الله” أنه بعد هزيمة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق باتت الطريق مفتوحة لتسجيل انتصار كبير في لبنان وقد حاول ترجمة هذا الأمر أولا من خلال منع الإحتفال بانتصار الجيش اللبناني في معركة فجر الجرود ثم من خلال إعلان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله خبر الإنتصار على “داعش” وكأن الحزب وحده هو الذي حقق هذا الإنتصار وكأن المطلوب من كل لبنان أن يدخل دائرة ترجمة هذا النصر كما حصل بعد حرب تموز 2006 التي انتهت بالقرار 1701 وبلائحة اتهام بالخيانة والعمالة طالت القوى المعارضة للحزب ولسلاحه.

في مواجهة كل ذلك كانت استقالة الرئيس سعد الحريري محاولة لوضع حد لذلك الإنقلاب على التسوية التي أعادت العماد عون إلى قصر بعبدا وأعادته إلى السراي الحكومي. وهي استقالة على خط استقالة رفيق الحريري في العام 2004 رفضا للوصاية السورية ولسلاح “حزب الله”. لكن الفارق بين ظروف الإستقالتين يكمن في أن الحريري الأب استقال في ظل عهد الوصاية ووجود الرئيس أميل لحود في قصر بعبدا بينما هذه الإستقالة أتت في ظل وجود الرئيس العماد ميشال عون في رئاسة الجمهورية.

هذه الإستقالة كان يمكن أن تقود إلى التأكيد عليها وقبولها والدخول في استشارات نيابية وفي إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري من دون أن تكون هناك قدرة على التشكيل وبالتالي إلى بقاء هذه الحكومة كحكومة تصريف أعمال وعندها لا يمكن التأكيد على أن بالإمكان حصول الإنتخابات النيابية في موعدها. أو كان يمكن أن تقود أيضا إلى محاولة تشكيل حكومة برئاسة شخص غير سعد الحريري وهذا ما لم يكن متوفرا أيضا بحكم رفع السقف السعودي والدولي ضد “حزب الله”.

ربما تكون مرحلة التريث التي طلبها الرئيس ميشال عون واستجاب لها الرئيس سعد الحريري مخرجا مناسبا للمأزق ولكن على أساس أن العهد يتكفل بإعادة التوازن إلى التسوية التي قامت مع انطلاقته ولم يكن بالإمكان أن تتحقق هذه الإنطلاقة من دونها. فهل سيكون العهد قادرا على تحقيق هذه العودة؟ أم أن تنازلات شكلية فقط ستقدم للرئيس سعد الحريري لا يمكن أن يقبل بها فيعود إلى تأكيد الإستقالة؟ لذلك يمكن اعتبار أن هذه المرحلة بمثابة تشكيل حكومة جديدة من خلال إعادة الإعتبار للحكومة نفسها ولكن على أساس الثوابت التي بنيت عليها وهي: تأكيد تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاري من خلال الممارسة العملية وتثبيت الإبتعاد عن القضايا الخلافية وانسحاب “حزب الله” من صراعات المنطقة وعدم فتح جبهات مع الدول العربية ووضع سلاح “حزب الله” على طاولة البحث الداخلي بضمانة العهد الذي يرتاح إليه الحزب خصوصا أن القرار 1701 أنهى دوره في الصراع مع العدو الإسرائيلي وأن أزمات المنطقة تدخل مرحلة جديدة بعد القضاء على تنظيم “داعش” الذي كان حجة “حزب الله” الرئيسية لتدخله في سوريا والعراق.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل