.jpg)
نحنا هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1638
لم يكن قبول الرئيس سعد الحريري بالتريث نزولاً عند تمني الرئيس ميشال عون خطوة مفاجئة، بل كان أحد السيناريوهات المطروحة والتي من ضمنها ان يؤكد على استقالته ويعاد تكليفه من أجل الشروع في مفاوضات سياسية في محاولة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء الاستقالة.
وعلى هذا الأساس لم تعد مهمة الوضعية التي ستدار عبرها المفاوضات أكانت من موقع الرئيس المتريث أم من موقع الرئيس المكلف، لأن الأساس يكمن في جوهر المفاوضات لا شكلها والتي كانت ستنطلق أساسا فور عودة الحريري إلى بيروت، فضلا عن ان المملكة العربية السعودية لم ترغب بعدم التجاوب مع المساعي الفرنسية والمصرية من منطلق ان الاستقالة حركت المياه اللبنانية الراكدة وانه لا بد من توظيف المومنتم الجديد الذي أوجدته الاستقالة من أجل الدفع نحو بلورة تسوية جديدة تنسجم مع طبيعة المرحلة الجديدة.
فما أكده الحريري من القصر الجمهوري هو نفسه الذي أعلنه في الرياض، ويخطئ من يعتبر ان الرياض تعمل على قاعدة قتل الناطور بدلا من أكل العنب، لأن همها الأساس وضع حد للتدخلات الإيرانية في المنطقة وفي طليعتها دور “حزب الله” الذي تجاوز كل حدود ممكنة، وبالتالي إذا كانت الاستقالة فعلت فعلها او يمكن ان تفعل فعلها فتكون الأهداف المرجوة من الاستقالة قد تحققت.
وإعلان الاستقالة ليس إعلان حرب وقطيعة وفصل، إنما تعبير عن موقف أملته تجاوزات “حزب الله” للتسوية التي لم يعد ممكنا استمرارها بالشروط نفسها، وبالتالي يشكل إعلان الاستقالة مدخلا لمفاوضات قد تطول او تقصر تبعا لتجاوب الحزب او عدمه.
ومن هذا المنطلق التريث ليس خطوة تراجعية كما حاول فريق الممانعة تصويرها في السياق التضليلي نفسه الذي دأب عليه منذ إعلان الحريري استقالته في الرياض، بل خطوة في السياق الطبيعي بغية إعطاء فرصة أخيرة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى ما أدت إليه تأسيسا على الزخم الذي ولدته الاستقالة دوليا وإقليميا ومحليا، فيما خلاف ذلك يحوّل الاستقالة إلى هدف وإعلان حرب، بينما الاستقالة هي وسيلة ضغط للوصول إلى الهدف المطلوب وهو النأي الفعلي بالنفس.
وقد ركز الرئيس الحريري في استقالته وفي تريثه من بعبدا على عنوانين أساسين: العنوان الأول الالتزام بمندرجات اتفاق الطائف الذي لم يطبق بشقه السيادي منذ لحظة إقراره، وبالتالي وجوب ان يسلم “حزب الله” سلاحه للدولة اللبنانية، والعنوان الثاني الانسحاب من أزمات المنطقة وعدم استخدامه لبنان منصة لاستهداف الدول الخليجية والعربية أمنياً وعسكرياً وسياسياً وإعلامياً.
وأكد موقف الحريري من القصر الجمهوري ما كانت أكدت عليه “القوات اللبنانية” منذ إعلان استقالته في ٤ تشرين الثاني لجهة ان العودة إلى ما قبل هذا التاريخ غير ممكنة، وان التركيز على المواضيع الجانبية هو مضيعة للوقت، وان التضليل والكذب والافتراء لن يطول وستتكشف الأمور على حقيقتها، وان المطلوب منذ اللحظة الأولى مقاربة الأسباب التي دفعت الحريري إلى الاستقالة.
ومع إعلان الحريري تريثه انطلق البحث الجدي لمعالجة أسباب الاستقالة، فإذا نجحت المساعي يعود عن استقالته وإذا فشلت يؤكد عليها، ولكن من الخطيئة بمكان عدم إعطاء فرصة شكلت مطلباً دولياً وإقليمياً ومحلياً، ولذلك التجاوب كان أكثر من بديهي ومنطقي، خصوصا ان تثبيت الاستقالة هو تحصيل حاصل والفراغ المفتوح ايضاً.
وقد دلت اطلالة السيد حسن نصرالله على تهيب الموقف، كما دلت الحركة الفرنسية-المصرية على وجود مسعى جدي، وإذا انتجت تلك المساعي تكون المرة الأولى التي ينجح فيها لبنان منذ العام ٢٠٠٥ بانتزاع تنازلات من “حزب الله”، والتنازل يجر إلى تنازل.
ويبقى ان المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان محكومة بسقف بيان وزراء الخارجية العرب، كما بتصميم السعودية على تعطيل محاولات ضمه الى محور الممانعة، وبالتالي المخاوف من إعادة تعويم التسوية السابقة ليست في محلها، والتريث الذي حصل نتيجة الاتصالات الدولية والإقليمية وهو خطوة في اتجاهين: إما باتجاه العودة عن الاستقالة وفق قواعد جديدة وتنازلات جدية من “حزب الله” تظهر ان ميزان القوى الإقليمي فعل فعله ومن يتنازل مرة يتنازل كل مرة، وإما باتجاه التأكيد على الاستقالة والدخول في فراغ طويل على إيقاع التصعيد في المنطقة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
