
بعد عودة الرّئيس سعد الحريري إلى لبنان باتت العناوين المطروحة للمرحلة القادمة ملخّصة في ثلاثة: النّأي بالنّفس، تطبيق إتّفاق الطّائف، عدم التدخّل في شؤون الدّول العربيّة. من هذا المنطلق تبدو مقاربة الوضع القائم مقاربة براغماتيّة انطلاقًا من الواقع الذي نعيشه. إضافة إلى بعض الملاحظات حول أداء بعض الأطراف، وذلك انطلاقًا من مقاربتهم الشّخصيّة لبعض المواقف. فهل ستتأثّر المرحلة القادمة بمزاجيّة بعض الأطراف؟ وهل سيتمّ التّراجع نهائيًّا عن استقالة الحكومة؟ أم أنّ المعطى الدّولي – الإقليمي سيبقى سيّد الموقف؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ الحياة السياسيّة هي استمراريّة لأنّ الحكم استمرار. من هذا المنطلق، سيتمّ مقاربة الموضوع الحكومي من هذا المنظور. لذلك ستتمّ الاستشارات النّيابيّة التي ستفضي إلى النّتيجة عينها، أي بقاء الرّئيس الحريري في سدّة رئاسة الحكومة. وهذا ما لمسناه بعد استقالته من السّعوديّة لا سيّما في الزيارات التي جرت لدار الإفتاء. لذلك من المفترض أن يتمّ تثبيت رئاسة الحريري بموقف جمهوريّ بعد المواقف النّيابيّة. فهل سيشكّل هذا الموقف عودة إجباريّة للحريري عن استقالته؟
ولعلّ عمليّة الاستقالة هذه قد أعادت خلط أوراق بعض التّحالفات لا سيّما كلّ ما يرتبط بـ”القوّات اللبنانيّة”. وهذه التّحالفات الجديدة التي يشار إليها اليوم ما هي إلا انتقامًا من النّهج الذي اتّبعته “القوّات اللبنانيّة” في مشاركتها في الحكم. ماذا لو أنّ “القوّات” سمحت للمحاصصة بأن تمرّ، وللصّفقات بأن تعقد كما هي، هل كانت كلّ هذه القوى السياسيّة ستتكتّل لعزل “القوّات”؟
لن نستبق المواقف المنتظرة من حلفاء “القوّات” لتثبيت التّحالف “القوّاتي –المستقبلي”، أو أنّ هذه المواقف قد تكون لضرب هذا التّحالف. لكن على ما يبدو أنّ المستقبَليّين قد انقسموا نتيجة نجاح حلفاء إيران في زعزعة إيمانهم بـ”القوّات اللبنانيّة”. أو قد يكون كلّ هؤلاء من المتضرّرين الذين تمّ إلغاء صفقاتهم.
يتمّ إشاعة أجواء التّفاؤل من قبل الرّئاسات الثلاث. وفي هذه المسألة إيجابيّة وحيدة لما قد ينتج عنها من إعادة تفعيل للحياة السياسيّة وحتّى الإقتصاديّة والإجتماعيّة. لكن لا تعني هذه المسألة حلّ الخلاف الرّئيس الذي يُعتبَر أساس المشكلة ألا وهو سلاح “حزب الله” وانخراطه في ساحات الوغى الإقليميّة والدّوليّة. وذلك وسط تغيّر استراتيجي بدأ يظهر مع إعلان بدء مفاوضات جديّة في روسيا. فالمعطى الإقليمي سيتغيّر وتغيّره يفرض تغيّرات في السياسات الدّاخليّة في لبنان تماشيًا مع ما ستقدم عليه الدّول الكبرى التي تحرّك القرار.
ولا زال هذا السلاح يسيّر مستزلميه، بحيث يتمّ إلغاء مشاركات بعض السّاسة في المؤتمرات الدّوليّة وفقًا لإملاءات هذا السلاح وفائض قوّته في تركيبة الدّولة اللبنانيّة. مع الإشارة إلى أنّ مشكلة السلاح لم تعد مشكلة محليّة. فكلّ المحادثات حول مصير هذا السلاح ستكون شكليّة حتمًا لأنّ قرار الحزب لم يكن يومًا إلا في إيران. ومن أولويّات هذه الأخيرة متابعة تصديرها لنهجها في تطبيق ولاية الفقيه وتهيئة المكان والزّمان للوليّ المنتظر.
ماذا لو أكّدت الحكومة التزام سياسة النّأي بالنّفس والحزب تابع خارطة طريقه في المنطقة من دون أي تأثّر بقرار الحكومة؟ وذلك يتمظهر من خلال الموقف الذي أطلقه الرّئيس برّي في الإبقاء على البيان الوزاري كما هو. لكن هل ستستمرّ “القوّات اللبنانيّة” في مشاركتها في الحكومة العائدة من غيبوبتها بعد أن كانت السّبّاقة في طرح استقالة وزرائها؟