
بعدما بدأت الامبرايلية الانكليزية بالانحسار ما بعد الحرب العالمية الثانية، تصدرت الولايات المتحدة الساحة العالمية كقوة عظمى تضبط اطر التعاطي الدولي. وقد نجحت منذ ذلك الحين بخلق استقرار على المستوى الاوروبي والعالمي و هذا ما يعرف بالـ”PAX Americana”.
فقد كانت القوة العظمى الموثرة على سياسات دول الشرق الاوسط واستطاعت خلال الحرب البارده اضعاف التأثير الشيوعي في معظم هذه الدول. بدأت ملامح التغيير في الادارة الاميريكية لملف الشرق الاوسط تظهر مع أوباما الذي حجم التدخل الاميريكي وحاول القيادة من الخلف في ملفات عدة وخاصة في العراق وسوريا. وبعد الاتفاق النووي الايراني، اعطى اوباما غطاء دوليا لأطماع ايران التوسعية بطريقة غير مباشرة. وبدأ الفراغ الذي أوجده عبر قيادته من الخلف يُستبدل بالتدخل الروسي في سوريا والتدخل الايراني في العراق. اما اليوم ومع الادارة الاميريكية الجديدة، فإننا لا نرى اي تغيير جذري في هذا التوجه ولا اي محاولة عملية لاستعادة هذا الدور. ونرى أن سياسة ايران التوسعية اعطتها تأثيرا كبيرا على اليمن (يشهد تحولا مهما وانتفاضة على الحوثيين)، العراق، سوريا ولبنان بالاضافة الى التأثير الروسي الكبير على الوضع في سوريا. أضف الى ذلك التدخل الفرنسي السريع في الازمة الحكومية في لبنان ابان اعلان الاستقالة من قبل الحريري.
وهذا التراجع في التأثير الاميريكي قد بدأ يثير ريبة دول الخليج العربي واسرائيل. وقد عبرت دول التحالف الخليجي عن قلقها ازاء التوسع الايراني اضافة الى التصريحات المتتالية لوزير الدفاع الاسرائيلي ليبرمان عن المخاوف نفسها ولكن من زاوية اخرى. ازاء هذا القلق، بدأت تتوضح عدة اهداف مشتركة غير مباشرة بين اسرائيل ودول الخليج العربي. وان تمكن الفريقان من المضي نحو تعاون مشترك للانقضاض على التمدد الايراني فان المنطقة ستشهد حربا اقليمية كارثية.
اين الولايات المتحدة في كل هذا؟
بما يتعلق باسرائيل، فاحد اهم الانجازات التي يتطلع اليها الرئيس ترامب هي معاهدة السلام الاسرائيلية الفلسطينية. وتعلم اسرائيل جيدا أن التأثير الاميريكي حاليا في سوريا ليس بالكبير ويقتصر على وجوده في دير الزور عبر التنسيق مع قوات سوريا الديموقراطية. و يتطلع الاسرائيليون حاليا الى حماية حدودهم الشماليه مع الجولان كاولوية وجودية امنية. تشكل المنطقة الامنية المعزولة على حدود الجولان مسافة حوالي ٥ كلم حاليا وقد طلبت اسرائيل من الروس توسيعها لتصل الى حوالي ١٥ كلم. فهل سنشهد طلبا اسرائيليا من اميريكا باقناع الروس بالاعتراف بسيادة اسرائيل على الجولان مقابل تسهيل عملية السلام؟ يعلم الاسرائيليون جيدا أن العودة الى حدود سايكس – بيكو في سوريا امر مستحيل فلذلك انتزاع السياسة على الجولان سوف تشكل صماما أمنيا استراتيجيا. فانتزاع تعهد روسي اميركي بسيادة اسرائيل على الجولان، يعطي الحق لاسرائيل بتحجيم الترسانة الايرانية القريبة من الهضبة. أضف الى ذلك أن وزير الدفاع الاسرائيلي ليبرمان قد طلب الاسبوع الماضي من الحكومة زيادة ٣،٢ مليار شايكل اضافية لموازنته لتدعيم الانظمة الدفاعية الاسرائيلية على الحدود مع الجولان.
اما من ناحية دول الخليج العربي، فان تأثير هذه الدول على الوضع في العراق وسوريا قد تراجع درامتيكياً. اضافة الى أن نفوذها في لبنان على المحك ايضا. مع العلم أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد اظهر دعمه للامير محمد بن سلمان بحملته الإصلاحية الاجتماعية والسياسية ولكن هذا الدعم لم يترجم عمليا على المستوى الإقليمي الى حد اليوم.
اذا ارادت الولايات المتحدة الحفاظ على دورها كقوة عظمى تسعى من خلالها الى فرض سلام عالمي والابقاء على PAX AMERICANA في الشرق الوسط، فما عليها الا استعادة موقعها القيادي في المنطقة والعمل على اطفاء شرارة الحرب. واي محاولات للـsubcontracting في هذه المرحلة ستقود لا محالة الى نتائج خطيرة.