#adsense

كنيسة عين درافيل… مين شقع حجار القبّة؟!…

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد – 1640:

لعلها من بين أجمل الحكايات الدافئة، التي تروى في ليلة برد حنونة من ليالي الزمن الميلادي، حكاية كنيسة السيدة عين درافيل، والتي لا يمكن أن تبدأ باللازمة التقليدية لحكايات ستي، أي «كان يا ما كان بقديم الزمان هلأ منحكي وبعد شوي مننام»، إذ إنها قصة واقعية بدأت بالأمس القريب جدا وتستمر فصولها حتى لحظة كتابة هذه السطور والى ما بعدها، ولعل البداية التي تليق بحكاية مماثلة «بدنا نخبركن قصة زغيرة كبيرة عن كنيسة بنيت حيطانها من قلوب الناس»! وهذا هو الواقع من دون أي مبالغة.

لم تنتهِ الكنيسة بعد، لكن تبدو جميلة جدا، حجرها الأصفر المعتّق معجوق بالبصمات، هنا الجبل، وهنا البقاع، وهنا طرابلس، وهذه بيروت وهذه أستراليا وتلك أميركا وهنالك أوروبا… ماذا يجري هنا يا عالم، كيف وقعت تلك الحجارة؟ من أي مقلع تدحرجت لتصل وتلتصق بجدران تلك الكنيسة؟ هذه أعجوبة…

نكمل المشوار أولا، تقع عين درافيل في قضاء عاليه، قرية صغيرة جميلة، لا بلدية فيها وتتبع بلدية عبيه، ضيعة عانت كما كل ذاك الجبل المترامي الحلا من الحرب، وتهجّر أهلها لفترة من زمن صعب قاس مرير، قبل أن تتم المصالحة التاريخية إياها، ويعود الأبناء الى قراهم وبيوتهم من غياب عمر، ويبدأ العمران. هي قرية مسيحية محاطة بالأهل من الدروز والمسيحيين، هذا هو الجبل، مزيج من كلنا في وطن واحد، مزيج رائع يحاكي جمال المكان في كل تفاصيله وأجمل تفصيل فيه على الإطلاق، هو ذاك اللقاء. أحكي عن الخليط الطائفي لأصل في الحكاية الى ما يجب أن يُقال ويُشهد له ويُكتب أيضا، حكاية الكنيسة.

في الأساس، لم نكن نعرف تلك القرية وما سمعنا بها إلا نادرا، بعض ممن يتوغل عميقا في أخبار المناطق والبلديات، قرأ من وقت لآخر عن كنيسة قيل إنها قيد الإنشاء في ضيعة عين درافيل، لا شيء استثنائي في الخبر، ففي غالبية القرى العائدة الى المكان، رُممت الكنائس أو تعمّرت من جديد، هي قاعدة من قواعد التثبّت في المكان والعودة الى الجذور، الى أن وفي بداية صيف 2017  تحديدا، قرأنا خبرا عابرا في الصحف والمواقع الإلكترونية، بأن المطران بولس مطر بارك قبّة وجرس كنيسة السيدة في عين درافيل، وقال في ما قاله يومذاك «نهنئ من صميم القلب عين درافيل بطلّتها الجديدة وبيوتها الجميلة وكنيستها، وبهذه الوقفة الوطنية الرائعة لأنهم أعادوا بلدتهم الى الحياة وكنيستهم الى الصلاة وجرسهم الى دعوة جميع الناس للصلاة والأخوة». عظيم، أمر جميل ان وبعد ثلاثة وثلاثين عاما من الغياب، عاد أهل الضيعة الى الضيعة، وان الكنيسة التي كان توقّف العمل فيها منذ العام 2000، عادت إليها الروح، وكاد أن يكون خبرا عاديا لولا تلك الصفحات على الفايسبوك!!!

نحو بداية أيلول، ينشر ابن عين درافيل المناضل مانو خوري على صفحته الفايسبوكية، صورا لقبّة الكنيسة وهي بعد عارية من الحجر، ويكتب ما يلي «من كل الضيع والبلدات حجارها مشيو وسيمشي المؤمنون الدرب الطويل إليها ليبلغوا لها مقصدا لحين أن تنتهي الطريق وتقرع أجراس الوصول…»، ثم يكتب لاحقا المناضل الشيف فرنسوا معراوي، على صفحته ما يشبه النداء المستعجل، أو لنقل البلاغ رقم 3 باللغة العسكرية، وينشر من خلاله تفاصيل عن كلفة تلبيس الكنيسة التي تصل الى ما يقارب الـ46 ألف دولار أميركي، ليعود بعد أيام ويكتب ما حرفيته «ع الربّ الاتكال والبركة بشعبنا، لا تنسوا تساعدوا كنيسة عين الدرافيل، في 930 متر حجر لازم يتلبّسوا وكلفة المتر 50 دولار، لـ ما بيقدر يقدّم متر يقدّم حجر وهوي وغيرو بتصير حجارهم أمتار، ويللي ما بيقدر يقدّم شي يساعد بالحكي ويخبّر غيرو»!!!

وهكذا انطلقت حملة غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة في لبنان، وصارت حجارة كنيسة عين درافيل تزحف كالجيوش المعلنة نصرها، وتُشقع يوما بعد يوم، حجر فوق حجر، مثل قمح البيادر، مثل بركة المواسم، مثل مؤونة فلاح مكفي سلطان مخفي، الى أن، الى أن لبست قبة السيدة أجمل حجرها من أخمصها حتى رأسها، فكتب الرفيق مانو خوري على صفحته: «نحنا صرنا فوق فوق حدّ السما»، ماذا حصل؟! من أين تراكمت تلك الحجارة؟ كيف تدفّقت؟ أي سحر هذا؟! من ألبس كنيسة السيدة عين درافيل حجارتها؟! ماذا فعلتم يا جماعة فوق حتى صارت تلك الكنيسة قبلة القلوب، وبدأت العدوى تتسلل شوي شوي على الكثير من قرى لبنان؟! «كل لـ عملناه إنو قعدنا نفكّر شو ممكن نعمل حتى نخلّي الأجيال تحكي عن هالكنيسة وتتداول الخبريي من جيل لجيل، فقررنا نستشهد بـ يللي صار من سنين كتيرة بكنيسة القيامة بـ بيت لحم، هونيك بلاط الأرض مرصوص من كل بلد بلاطة، لأنها كنيسة لكل شعوب العالم، فقررنا تكون حجار السيدة من كل ضيع لبنان لأن العدرا لكل الدني» يقول مانو خوري.

لم تنته الحكاية هنا، بل من هنا بدأت، فالكنيسة التي أُنشئت مكان أخرى قديمة كانت دُمرت في الحرب، لم يتمكن أهلها من إنجازها بسبب ضيق الحال، لكنها وعلى رغم المشقات تمكنت وبهمة شباب وأهل الضيعة المقيمين والمغتربين، من بناء القبة التي يبلغ علوها 16 مترا، كما تمكنت من تأمين مبلغ 8000 دولار ثمن الجرس، ولما دقّ جرسها للمرة الأولى، بدت تلك الكنيسة وكأنها ترسل نداء ما الى ما هو أبعد بكثير من جمع تبرعات من أبناء الضيعة، بدت وكأنها تقرع الأجراس لكل لبنان ليكون فيها شريكا، «كان بالإمكان إنو نلاقي متموّل واحد ويقوم بكل المصاريف، لكن ما كانت الكنيسة رح تاخد هالبعد الإنساني الإيماني الاجتماعي الكبير، وصدقيني أخدتنا الأجواء هيك لحالها وكأن ملاك الرب عم يحرّكنا ورحنا ع النداء لإشراك الناس بالحجارة» يقول مانو.

أكثر من مئتي قرية لبنانية تهافت أبناؤها لإرسال الحجارة، ولا تسألوا عن الطائفة، منهم الكثير من السنّة، وأكثر بعد من الدروز «نحو 200 متر قدمها أهل لنا من الدروز والمفارقة إنو معلم الحجر وهو درزي كان أول من بادر في مرحلة دراسة الكلفة ّوقدّم  لنا حسما بقيمة 15 في المئة من سعر الحجارة وتبرّع بـ 160 متر من أصل 1130، أليست هذه أعجوبة؟» يسأل مانو.

صفحة الفايسبوك كانت تنشر يوميا تفاصيل رحلة الحجارة الى كنيسة السيدة عين درافيل، حجرا حجرا، قرية قرية، شخصا شخصا في لبنان والخارج، وكأن الملائكة تولت بنفسها نقل تلك الحجارة الى القبّة المتلهفة لارتفاعها، الى جرسها، الى التلاقي، الى الأيادي التي تزيّنها بالعونة الحقيقية، تلك العونة اللبنانية الأصيلة، تلك السواعد المتفجّرة حبا والتي أنجزت ما يقارب الأعجوبة «إسألي الكنيسة هلأ مين عمّرك وأنا أكيد بتجاوبك إنها قلوب الناس» يقول مانو وهو متأكد ان الملائكة كانت المعمرجي الأول والأخير في كل هذه الورشة، والورشة التي لم يشهد مثيلها تاريخ الكنيسة الحديث في لبنان، قررت أن تطلق أسماء شهداء ومتبرعين على كل حجر رُص الى كتف أخيه، فهذا متر على نية لبنان، آخر على نية سمير جعجع، متر على نية الجبل، آخر على نية السهل وآخر على نية طرابلس وذاك على نية كسروان، حجارة على نيّة أحمد نداف، ذاك المغترب في أميركا الذي قدّم ستة أمتار ولم يكن يريد ان يذكر اسمه لكن الشباب رفضوا إلا ان يفعلوا تكريما له، ولا تسألوا عن طائفته، هو اللبناني السنّي المسيحي ابن الجامع والكنيسة وله في عين درافيل ما له من أحجار في تلك الكنيسة، وهكذا دواليك، الى أن اكتملت القبّة وأنجزت بالكامل.

«كل لـ تبرعوا ما معن فائض مصاري بالعكس، إنما هم رفاقنا بـ«القوات» وغير «القوات» ومن عامة الشعب وحالهم الاجتماعية عادية جدا، تصوري في شب يصنع العسل وما معو مصاري قدم لنا ستة كيلو من العسل وطلب نبيعن وبسعرن نشتري حجار فيأتيه الجواب من رفيق لنا في أميركا يطلب منه توزيع العسل على الفقرا على ان يتكفل هو بتقديم مترين حجر، وهيك حكايات صارت معنا وكأنها من نسج الخيال لكنها حصلت» يقول مانو خوري. وتلك أيضا حكاية الأرملة زوجة شهيد في «القوات اللبنانية» التي بالكاد تؤمن قوتها، أصرّت على التبرع بمتر حجارة رغما عن إرادة الشباب، ليكون لها هناك مساحة حب باسم زوجها الشهيد.

وهكذا حُيّكت الخبريي، حكايات وحكايات تشبه الأسطورة حصلت هناك، وتروى في ليلة دافئة في زمن الميلاد وزمن الوطن، والوطن هو الزمن، عن حجارة قبة كنيسة السيدة عين درافيل، تحكي عن عطش شعب لإثبات وجوده، عن لهفته للقاء على قضية كبيرة سامية خلّاقة، عن توثّبه للالتفاف على قيمة إنسانية نقية صافية، تجعلهم يتحلّقون من حولها ليثبتوا أنهم شعب كبير مبارك، لا ينقصه سوى الفرصة الحقيقية لإثبات كرمه وكرامته وحبه للعطاء، من أجل أرض مهما قيل عنها وحولها، هي أرض المسيح، فكانت حكاية تلبيس قبّة كنيسة عين درافيل، تلك الضيعة الصغيرة الكبيرة، تلك الكنيسة التي صارت وسع الدني حين تولّت ملائكة الرب نقل حجارتها، ومن قال إذن إن الآلهة وحدهم يصنعون الأعجوبة؟!…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل