
كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” العدد – 1640:
حملوا صليبهم وارتاحوا قسرًا على كراسيهم المتحركة ليحملوا صفة معوّقين لكن بقدرات إبداعية تستحق كل تقدير. بإبتسامة لا تُفارق وجوههم يستقبل المعوّقون في “المركز الإستشفائي بيت شباب” زوّار معرض الأشغال الحرفية الفنية السنوي الذي يضمّ كل ما أنتجته أيديهم من أعمال حرفية وأشغال يدوية.
فماذا عن المعرض؟
افتتح “المركز الاستشفائي بيت شباب” و”المعهد اللبناني للمعوّقين” معرض الأشغال الحرفية الفنية السنوي الخيري في المعهد، برعاية وحضور الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الآباتي نعمة الله الهاشم، والمدير العام للمعهد الأب لويس سماحة.
قدّم المعوّقون أعمالهم الحرفية واليدوية من الخياطة والرسم على القماش وألواح الخشب وتزيين الشمع وأواني المطبخ وتزيين الوسائد وصنع الإطارات وتزيينها، والبطاقات وغيرها. وتميّزت أعمالهم بالجودة العالية واللمسات الجمالية والحسّ الفنّي الذي يترجمونه في العمل على كل قطعة. وعلى رغم إعاقتهم الجسدية فهم يستمتعون بممارسة الأشغال اليدوية ويتعاملون مع القطع الفنية بحرفية عالية، ويضعون كل طاقاتهم لإخراج قطع لافتة ونادرة.
“المسيرة” التقت فنانين من بعض المعوّقين في المركز وتحدّثت معهم عن كيفية إتقانهم لهذه الأعمال.
ماري خوري: صليت للقديس شربل
كان الرسم بالنسبة لـ ماري خوري مجرّد هواية عندما كانت صغيرة لكنّه تحول الى حالة عشق وإدمان على حب الحياة بعد دخولها معهد بيت شباب. فكيف وصلت إبنة البيرة الشوفية إلى هذا المعهد؟ تجيب ماري: “إصابتي خلال الحرب أوصلتني إلى هنا. كنت في ال18 من عمري عندما إنتسبت إلى “القوّات اللبنانية” في سلاح الإشارة”.
وخلال حرب الجبل أصيبت ماري إصابة بليغة أدت الى إصابتها بشلل رباعي. تغيّرت حياة ماري وأحلامها وطموحاتها، وتبدّلت الأمور والأهداف وأصبح الأساس بالنسبة إليها أن تحاول كتابة إسمها فقط. وتقول: “في البداية لم أتقبّل وضعي الجديد، عشت فترة نكران للواقع. لم أكن أستطع تحريك حتى يداي. بكيت كثيراً، تألّمت، لكن إيماني الكبير بيسوع ساعدني على الخروج من هذه الحالة والتأقلم مع هذا الواقع الجديد”.
بعد مرور فترة على وجود ماري في معهد بيت شباب طلبت ريشة وأوراقاً لتحاول كتابة أحرف إسمها، فكانت تضع يدها على خدّها وتحشر ما بينهما الريشة وتحاول الكتابة. لم تفلح بذلك لكنها إستطاعت “خربشة” وجوه على الأوراق.
وتضيف ماري: “البداية كانت مع لوحات بورتريه، وذات يوم رآها الأب المسؤول آنذاك عن المعهد وسأل عن الشخص الذي رسمها، وعندما أخبروه توجّه إلى غرفتي وأخبرني أنّه سيضعها في المعرض الحرفي للمعهد. لم أصدّق ما قاله في البداية، ضحكت كثيراً وحاولت إقناعه بعدم عرضها لأنها لن تُعجب الناس”. لكن الأب المسؤول كان لديه رأي آخر وقال: “اليدان اللتان رسمتا هذه الوجوه يمكن أن تفعلا أفضل من هذه”، شكّلت هذه الجملة صدمة لماري وفكّرت في نفسها قائلة: “شو هيّن الحكي”.
مع الوقت إقتنعت ماري بضرورة محاولتها تعلّم الرسم وطلبت من إدارة المعهد أن تؤمّن لها أستاذاً لتعليمها وهكذا كان. وتضيف: “بدأت أتعلّم التنقيط بالحبر الصيني، وكنت أعرض اللوحات المرسومة بالتنقيط في المعرض الحرفي للمعهد وهذا ما كان يعطيني دافعاً للإستمرار بالمحاولة”.
بعدها توجّهت ماري إلى معهد أكاديمي في بيروت حيث تعلّمت أصول الرسم وأصبحت متخصصة ورسامة محترفة. وهي تعتبر الرسم “حاجة وطريقة للتعبير عن مشاعري، وأشعر بالفرح عندما أرسم، لأنه ينقلني إلى عالم آخر. عندما أعيد رسم شيء كنت قد رسمته سابقاً لن تكون النتيجة نفسها إذ تتأثّر الرسومات بمزاجي والجوّ العام الذي أكون فيه”.
تُلاقي رسومات ماري إعجاب الناس وهي تشارك دائماً في مختلف المعارض وقد نظّمت معرضين خاصين بها وحدها عرضت خلالهما لوحاتها، وهي بصدد كتابة مراحل حياة القديس شربل بالريشة والألوان.
وتقول: “صلّيت كثيراً للقديس شربل لكي يُلهمني على اختيار المراحل التي سأرسمها، وأنا أعلم أنّه يمسك بيدي في كلّ مرّة أرسم فيها. في إحدى المرّات وأنا أرسم لوحة له وقعت عليّ، وبسبب شللي لم أتمكن من رفعها وإعادتها إلى مكانها، طلبت من مار شربل مساعدتي وبالفعل شعرت أنّ قوّة كانت تدفع باللوحة عني”.
روكز مسلّم: من الأوجاع الى الإبداع
في البداية لم يتقبّل روكز مسلّم وضعه الجديد، لم يستطع التأقلم بسهولة مع القدر الجديد الذي لم يكن في الحسبان. أما قصّته فتبدأ عندما تهجّرت عائلته من قريتها تربل في قضاء زحلة وكان روكز في سن ال15، وما إن وصل إلى بيروت حتى انخرط في صفوف المقاتلين إيماناً منه بالقضية التي حملتها “القوّات اللبنانية” ودافعت عنها بكلّ إيمان. لكنّ القدر رسم له خطّاً آخر ليسير عليه وبدل أن يحمل البارودة والذخيرة ويقاوم العدو أصبح يقاوم الأوجاع والكرسي المتحرك بعد إصابته في إحدى المعارك عام 1980 في منطقة الأشرفية.
ويروي مسلّم: “عندما كنت شاباً لم أفكّر يوماً بأنني قد أواجه هكذا مصير، فالشباب الذين يتمتعون بالعنفوان والحماس للقضية والحرب لا يفكرون سوى بهدف واحد: أن نربح المعارك فقط”. ويضيف: “العام 1980 كان مفصلياً في حياتي، فالإصابة أدت الى شلل نصفي وباتت حياتي رهناً بالكرسي المتحرك. دخلت مستشفى “بيت شباب” وبدأ مشوار حياتي الجديدة”.
دخل روكز بعد إصابته “أجواء جديدة” كما وصفها، وأضاف: “عندما بدأت أعتاد على النمط الجديد لحياتي وعلى فكرة أنني مُصاب وعليّ ملازمة الكرسي المتحرّك أصبح لديّ هدف جديد وهو أن يتمكن المتخصصون في المركز من إعادة تأهيلي لأتمكّن من خدمة نفسي قدر المستطاع”.
لم تنته الرحلة مع الأوجاع بسهولة، فالأبطال على غرار روكز وغيره من المصابين، لا يتوقفون عند فاصلة صغيرة، فهم يثابرون ويقاومون حتى تغيير مصيرهم. وهذا فعلاً ما قام به روكز، إذ بعد خضوعه لجلسات طويلة من إعادة التأهيل قرّر أن يصبح مستقلّا مادياً وأن يكون منتجاً. “أمّن لنا المستشفى ورشات عمل تدريبية للأعمال الحرفية واليدوية، واختار كلّ منا إحدى الحرف. إخترت الرسم على الأقمشة والخشب، وتدرّبت مع بعض الشباب على ذلك ولم يكن الأمر سهلاً. في البداية كنت أقدّم أعمالاً فيها أخطاء تقنية، لكن إرادتي كانت أقوى من كل الصعوبات التي واجهتني، وكنت أعيد رسم اللوحة”.
لم يسمح روكز لحياته أن تقف عند إصابته، لم يسمح للكرسي المدولب أن يحدّ من قدراته أو طموحه، عمل بجهد فأصبح على طريق الاحتراف وبدأ يرسم باتقان على الأقمشة والخشب، وكل أعماله تنقل تمسّكه وحبه للحياة.
يشارك روكز في كل المعارض التي ينظّمها مستشفى بيت شباب وهي ثلاثة معارض أساسية سنوياً. ويختم: “صحيح أن القبول أصبح ضعيفا مع الوقت، لكن بالنسبة إليّ ليس المردود المادي هو الأهم إنما فكرة الإنتاج وتقديم أعمالنا للناس”.
جهاد نمر: الحمدالله على كل شيء
من الأعمال الميكانيكية إلى الأعمال الحرفية اليدوية إنتقل جهاد نمر ليصبح متخصصاً في صبّ قوالب الشمع وتلوينها والرسم عليها. لم يكن جهاد ليفكّر يوماً أنّه سيصبح فنّاناً يعمل على قالب شمع لتحويله إلى تحفة فنيّة. دخل جهاد مستشفى “بيت شباب” عام 1985 بعد إصابته في ظهره خلال كمين نُصب له ولرفاقه، وذلك بعدما خاض معارك لسنين في صفوف “القوّات اللبنانية” دفاعاً عن قضية آمن بها.
عاش جهاد، بعد إصابته، فترة عصيبة جدّاً كان يرفض خلالها تقبّل فكرة شلله، ويشرح: “لم أتوقّع يوماً أن أصبح مقعداً، وعندما إضطررت إلى مواجهة واقعي الجديد رفضت الموضوع. عشت حالاً من الكآبة والحزن لفترة طويلة جدّاً، كنت أرفض العلاج وإعادة التأهيل. ولكن عندما رأيت الشباب من حولي هنا بدأت تتغيّر الأمور بنظري، وخرجت رويداً رويداً من الحزن واليأس”.
إختار جهاد تعلّم صبّ الشمع وتزيينه بالألوان والعطور والرسومات، ويقول: “عندما كنت شاباً عملت بالنجارة للتسلية فقط. لم أظنّ أنني سأستطيع في يوم من الأيام المشاركة في معارض من خلال أعمالي وذلك بسبب الصعوبات التي واجهتها في البداية”.
تتلمذ جهاد على أيدي سيّدة تطوّعت لتعليم الشباب كيفية صبّ قوالب الشمع والعمل عليها، ويقول: “تعبت كثيراً للوصول إلى ما أنا عليه اليوم، هذا العمل يتطلّب جهداً كبيراً، لا يُدرك الناس حجم التعب والجهد الذي نضعه للعمل على قطعة واحدة. بعض الشمع يحتاج أحياناً إلى 3 أيام للإنتهاء من شكله الخارجي فقط، هذا قبل تلوينه وتعطيره والحفر أو الرسم عليه”.
يشعر جهاد بالأسى والحزن للإهمال الذي يصيب المعوقين، ويلفت: “الدولة لا تساعدنا أبداً ولا تدعم أعمالنا ومعارضنا على رغم إدراكها جيّداً لصعوبة وضعنا. مع كل الأوضاع المعيشية الصعبة التي نمرّ بها في لبنان لا يسعني القول سوى “الحمدلله على كل شيء”. كان القبول إلى المعارض أفضل بكثير من قبل والأسباب عديدة: الضائقة المادية التي يعيشها اللبنانيون، وعدم تقدير الأجيال الجديدة للاعمال الحرفية واليدوية، إضافة إلى أنّ السوق اللبناني صغير والمنافسة كبيرة، وأسباب أخرى كثيرة”.
اللافت في حياة جهاد هو زواجه بعد إصابته بالشلل وتكوينه عائلة صغيرة يفتخر بها ويحاول جاهدًا أن يساهم في مصروف المنزل وأفراد عائلته.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]