.jpg)
افضل حدث في “القوات اللبنانية” منذ نحو السنة حتى اليوم، هو وزراء القوات. ثلاثية الاستثناء في دولة الفساد. ثلاثية النزاهة تلك الممزوجة بالعمل الفعلي المتواصل، وبتلك القيمة المضافة التي كاد اللبنانيون ان ينسونها، الشفافية الممزوجة بالعمل ثم العمل فالعمل. نحكي الان عن وزير الشؤون الاجتماعية، بيار بو عاصي.
في التواريخ الثابتة، ولد بيار بو عاصي العام 1966 في بلدة العبادية قضاء بعبدا. تلقى دروسه في مدرسة الفرير مون لاسال، وكما غالبية شباب جيله، مدفوعاً بذاك الخوف على الوطن من الاغراب، وخوفاً على الوجود المسيحي الحر في ارض القديسين والشهداء، لم يتردد بو عاصي في الانضمام الى صفوف “القوات اللبنانية” يوم كان لا يزال طالباً في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف العام 1985، وتخرّج برتبة ضابط في “القوات اللبنانية” في اول دورة لمعهد بشير الجميل في غوسطا، وتبوأ مسؤوليات عسكرية هامة ودقيقة رغم صغر سنه، وصار المقاوم في صفوف المقاومة المسيحية.
العام 1991، وبعد انتهاء الحرب والمواجهات المسلحة، وبعدما فلش جيش الاحتلال السوري ظلامه على الاراضي اللبنانية كافة، عسكرياً وعبر الجهاز الامني السوري اللبناني المشترك، قرر بو عاصي المغادرة الى فرنسا حيث تقيم عائلته، وهناك قام بما عجز عن استكماله في لبنان بسبب الحرب ومسؤولياته العسكرية، اذ استكمل دروسه الجامعية وتخصص في إدارة الأعمال. خلال إقامته في فرنسا تسلّم إدارة شركات عدة ومنها واهمها، شركة فرنسية لتجارة النبيذ .
عشرون عاماً امضاها بو عاصي في بلاد الاغتراب، المسافات بعيدة نسبياً عن ارض الوطن، لكن الوطن لا يغيب طالما يسكن ضمير الاوفياء، لم تبعده المسافات عن شجون لبنانه ولا عن نشاطه الوطني والسياسي، فبقي كما كان هنا، ذاك المقاوم في صلب “القوات اللبنانية” فترأس منسقية فرنسا ومثّل “القوات” على اكثر من صعيد، وفيما كان الاحتلال السوري يقمع الاحرار في لبنان، ويعتقل الطلاب والمطالبين بسيادة لبنان، وعلى رأسهم الحكيم، حمل بو عاصي بيرق الوطن ونزل شارع العالم واعلن ثورته على قوى الامر الواقع في لبنان، فكان وبالتعاون مع رفاقه المقاومين، ينظّمون التظاهرات المنددة بالاحتلال ويعقدون المؤتمرات الصحافية دعماً لسيادة واستقلال لبنان، وبقي هناك صوتاً حراً عابراً للمساحات وايضا لذل الاحتلال.
العنيد الصلب في مواقفه، كما يوصف، عُرِفَ عنه ايضاً انفتاحه على الاخرين مهما كانت عقيدتهم السياسية، كما عُرف عنه دماثة اخلاقه ومناقبيته في التعاطي مع الافرقاء كافة الذين التقاهم في فرنسا، من دون المساومة على مواقفه الوطنية الصلبة .
العام 2011 ناداه الواجب من جديد لبنان، وتحديداً في “القوات اللبنانية”، ونداء الواجب هذه المرة فرض عليه العودة الى ارض قلبه، الى لبنان اذ تسلّم إدارة جهاز العلاقات الخارجية في الحزب، تسلّم نقل الجهاز الى فورة عمل ونشاط استثنائي ان على مستوى السفارات وعواصم القرار.
خمس سنوات عبرت على المناضل المجتهد الصامت المثابر في جهاز العلاقات الخارجية، لكن كان لا بد ان يخرج الرجل الى رحاب اوسع يظهر امكانياته الكبيرة، اذ قرر الدكتور سمير جعجع ان ينقل خبرة بو عاصي من اروقة الحزب الى مكاتب الدولة، ليكون مثالاً عن مناقبية “القوات اللبنانية” في عملها الوزاري ، فاصبح بيار بو عاصي بتاريخ 18/12/2016، وزيراً للشؤون الاجتماعية في اول حكومة في عهد الرئيس ميشال عون ورئيس وزرائه سعد الحريري .
مع بو عاصي تحولت وزارة الشؤون الاجتماعية الى وزارة سيادية بامتياز، ادخل إليها مفهوماً جديداً للعمل الاجتماعي الانساني، اذ تماهى مع اوجاع الناس ورفع من شأن معاناتهم ليصبح الانسان في العمل الوزاري هو القيمة المضافة الى رصيد الانسانية ولم يعمل لاجل المنصب كمنصب، اذ وضع الاصبع على عمق عمق معاناتهم، نزل الى الشارع، جال على اماكن الفقر والعوز واللاجئين، التفت الى كرامة المسنّ وحقوق الطفل والمرأة والمعوقين، فتح الملفات الساخنة على مصراعيها غير ملتفت الى الاصوات التي اتهمته بالقسوة حين تصدى للبطالة المقنعة عبر التوظيف العشوائي في بعض المشاريع في اعداد فاقت الحاجة والقدرة المالية، وذلك لاقفال ابواب هدر كبيرة كانت تنخر مقدرات الوزارة وتعيق تقدمها. لم تشهد وزارة الشؤون الاجتماعية في تاريخها القديم والحديث على ورش العمل تلك التي افتتحها بو عاصي، وبالتعاون مع مؤسسات دولية ومحلية وشملت كل الناس وكل الفئات، بمسؤولية وانسانية مشدداً على اهمية الاهتمام بالمجتمع المضيف اسوة بالجماعات النازحة.
في فترة لم تتجاوز السنة تحولت وزارة الشؤون الاجتماعية مع بيار بو عاصي الى وزارة الانسان، حسبه ان في هذه الفترة الزمنية القصيرة نال لقب “وزير الانسانية”… وللايام تتمة.
