#adsense

وفي ليلة الميلاد… نخاف أن تهرب اللحظة ويتوه الحلم

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في  “المسيرة” العدد – 1642: 

 

 

 

سحر الميلاد ربي، أصبحنا كبارا ناضجين عاقلين وما عاد بالإمكان أن نكتب رسالة الى بابا نويل؟ عيب أن نؤمن به وننتظره ليلة الميلاد ان يتسلل من نافذة الضوء ونكمشه بالجرم المشهود وهو يضع لنا هدية النجوم، أليس كذلك؟! عيب أن نتصرّف كالأطفال ونلحق بمنظومة الحلم تلك! لكن هو الميلاد، هو السحر والحلم والإيمان وتلك المغارة التي تشع فينا طفولة، حتى قبل أن يصل إليها الطفل يسوع وتقرع الثانية عشرة منتصف الليل معلنة مجيء المخلّص… لن نستجيب لقوانين العمر ومواعظ التعقّل، وها نحن نكتب الرسائل قبل أن يصل بابا نويل ويبدأ رشرشة نجومه…
هو زمن مليء بحكايات الدفء، هو زمن النجوم حين تلمع فينا مثل وميض الحب. تعجبني حكاية حمار يسوع، هي واحدة من تلك الحكايا العتيقة الدافئة التي يرويها زمن الميلاد. نعرف ذاك الحمار غالبا في حكايات الرسوم المتحركة وصور زمن الميلاد، أخبرنا أبونا الضيعة ذات طفولة، أن الملاك تراءى لمار يوسف في الحلم وطلب منه الهرب الى بيت لحم كي لا يصل سيف هيرودس الى الطفل يسوع، وتقول الحكاية كان ليل وكان ويل، ثلوج وصقيع، حمّل مار يوسف العذراء مريم وهي حامل على ضهر حماره وهرب صوب بيت لحم، ولما وصلوا استقروا في ذاك الإسطبل الشهير، وولد يسوع في المزود الحقير محاطا بالأبقار والأغنام وذاك الحمار اللطيف، الواقف مثل الحرس وهو يراقب الطفل الإلهي، ويحرّك ذنبه إشارة الى السعادة التي يعيشها، ولما أكمل مار يوسف هروبه بناء على طلب الرب حين قال له «قم خذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر»، مشى الحمار بهم الطريق الصعب بصبر وهدوء، عابرا من بيت لحم الى وادي النيل برحلة عذاب طويلة للعيلة المقدسة التي قطعت البراري والوديان والجبال الوعرة والصحارى، وحيث كانت تعبر تتفجّر الينابيع وتنحني الأشجار لتظللهم، وبقي الحمار مع العيلة المقدسة في مصر ثلاثة أعوام ونيف قبل عودتهم، ويقال إنه رافقهم لفترة طويلة جدا وكان من أسعد الحمير على وجه الأرض، ضحك الأبونا حين ختم حكايته «هيدا الحمار الوحيد لـ منحسدو على عيشتو»…
أبونا الضيعة أخبرنا أمرا آخر ولعلها المرة الأولى التي أسمع فيها كلاما مماثلا، أخبرنا عن أهمية الحلم في تاريخ يسوع، في الحلم جاء ملاك الرب ليخبر مار يوسف ان خطيبته مريم العذراء حامل من الروح القدس وينقذه من الخوف الذي اعتراه حين علم بحملها، وفي الحلم تراءى لمريم الملاك مبشرا إياها بأنها أم الله، وفي الحلم سمع مار يوسف كلام الرب منذرا إياه بخطر هيرودس طالبا منه الهروب باتجاه مصر، ونحن في الميلاد نعيش الحكاية فصول حلم تتوالى يوميا، ابتداء من المغارة التي نعمّرها في بيوتنا بكل تفاصيلها المفترضة حينا، الواقعية حينا آخر، وصولا الى شجرة الميلاد. لحظة، شجرة الميلاد وتلك الحكاية العتيقة العتيقة المتجذرة بترابها، شو القصة؟
من خابية جدي أنتشل حكاية، قال بالزمانات كانت شجرة الميلاد عبارة عن غصن شجرة عارٍ، مزيّن بالفاكهة المجففة من حواضر مواسم الصيف، وكانت تسمّى «شجرة البركة» لأن ميلاد يسوع يبارك المواسم، لكن جدي لا يعرف أن أصل الحكاية يعود الى حارس غابات في ألمانيا في القرن الثامن عشر، حين كان يحرس الغابة ليلة الميلاد وقرر العودة باكرا قبل أن تتراكم الثلوج، ولما وصل بيته للاحتفال مع زوجته وابنه، وجلس يلاعب طفله وزوجته تحضّر العشاء، فجأة يقرع الباب، وإذ بطفل جائع يرتجف بردا عند العتبة، أدخله وأطعمه ونام في سرير ابنه، وفي الصباح تستيقظ العائلة على أصوات الملائكة ترنّم ووجه الطفل الضيف يشعّ بالنور، وتبيّن أنه الطفل يسوع الذي توجّه صامتا نحو الباب وقبل اختفائه قال للحارس «قبلت ضيافتك بفرح كبير وهديتي لك هذه الشجرة التي ستحمل ثمارها في كل ميلاد وتبقى خضراء كل أيام السنة»… وصارت الشجرة الرمز وأضواء الفرح زينتها…
طويلا حاولنا إقناع جدي أن بابا نويل شخصية حقيقية بالأساس وهو القديس نيكولا الذي كان يحب الفقراء ويقدم لهم الهدايا والأموال والطعام، قبل ان يتدخل كاتب أميركي ويرسم صورته بالأحمر والصوت المطنطن ذاك في ليلة الميلاد وهو يخترق بغزلانه خلايا أحلامنا. في نظر جدي «هادا زلمي مخنّت يا جدي بيلبس أحمر، مش عيب الرجال يلبس تياب حمرا؟!»، وكيف نقنعه بالعكس، تلك كانت أزمة حقيقية «دخيلك يا جدي ما تزعّل بابا نويل بتروح علينا الهدية»، ورفض جدي حكاية ذاك الملتحي السمين المشع وجهه بالطيبة والحلم، لكن جدي كان بابا نويل العيلة إنما من دون هدايا مباشرة، مواسمه، بيته، كرمه، بساتينه، قلبه المضيء حبا جعله أحلا بابا نويل، ونحن اكتفينا بحلم وجوده على التلفزيون وفي حكايات أهل بيروت لأهل الضيعة…
ينهال يسوع في مزوده ضوءا لا يقارب، ليلة الميلاد قلب يرتجف حبا، من أين فائض الحنان ذاك؟ ليلة الميلاد طفل في جسد كبير أو صغير لا يهم، ينتظر شيئا ما لا يعرفه، شيء ما يبدأ بالنغوشة وبإلحاح على باب الحلم منذ بداية كانون، يوقظ فينا كل ذاك المدى الرحب وكأنه سهل نجوم ونحن نقطف نجمة تلو الأخرى في ليل دائما مشع، في الميلاد نحب الليل أكثر، فيه ضوء المغارة الأصفر المعتّق حنينا، في الميلاد عيون تلمع قرب مزود تنام فيه وتحجز لها مكانا قرب الحمار والبقرة والمجوس ولا تريد ان تصحو من حلمها، في الميلاد انتظار شيء ما لا نعلم ما هو ولكن… ليلة الميلاد وبعد ان يقرع الجرس إيذانا بميلاد يسوع، شيء ما، يهرب منا، ولا نعرف ما هو، لعله الحلم بالعيد هو دائما أكبر من اللحظة بحد ذاتها، ليلة الميلاد نشتاق كثيرا ليسوع وعندما يولد نخاف ان تهرب اللحظة ويتوه الحلم….

د  تنام فيه وتحجز لها مكانا قرب الحمار والبقرة والمجوس ولا تريد ان تصحو من حلمها، في الميلاد انتظار شيء ما لا نعلم ما هو ولكن… ليلة الميلاد وبعد ان يقرع الجرس إيذانا بميلاد يسوع، شيء ما، يهرب منا، ولا نعرف ما هو، لعله الحلم بالعيد هو دائما أكبر من اللحظة بحد ذاتها، ليلة الميلاد نشتاق كثيرا ليسوع وعندما يولد نخاف ان تهرب اللحظة ويتوه الحلم….

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل