لم يعجبني لقاء البريستول. لم يرو غليلي. لم أر فيه ما كنت أريد أن أراه، وليس هو ما كنت أتوقع. فنحن جمهور 14 آذار ما عدنا نتوقع إلا… الاسوأ !
نفس الوجوه، نفس الوجوه، لا تغيير، وإن غابت بعض الوجوه بعدما غيّبت نفسها الى غير مواقع. لقاء باهت حاول استدراج الحماسة فبدا الحاضرون كمن يذهب الى الحرب والناس راجعة!
حتى "لوغو" اللقاء التقليدي لـ14 آذار، وهو كناية عن قبضة يد مرفوعة كُتب تحتها هذه المرة: "مستمرون" لم أجد نفسي فيه. لم يقل شيئا لي في ذاك اللقاء، أو لعلني لم أرد أن أقرأ شيئا من أبعاد ذاك اللقاء، ربما لأن الغضب صار أقوى من المنطق، أو ربما لأن الخيبة تخطت كل منطق .
هذه هي العبارة: "الخيبة". نعم نحن خائبون.
منذ خمس سنوات ننزل بانتظام يوم 14 شباط الى ساحة الشهداء. مئات الآلاف نزحف من كل المناطق منذ ساحات الصباح الأولى. نحمل الأعلام واليافطات ونقف ساعات تحت الشمس أو المطر لنستمع الى الخطابات النارية. نصفّق، نصفّر، نصرخ، نهتف بالروح والدم ثم نقفل عائدين محمّلين بالـ…لا شيء، أو هكذا نظن.
كل ذلك وأكثر جال في خاطري وأنا أتابع تفاصيل لقاء البريستول، ورأسي من دون إرادتي يهتز. ليس معي باركنسون بالتأكيد، لكنني أصبت فجأة بمرض الاستخفاف. تسألون ونسأل: لمن سننزل يوم 14 شباط الى ساحة الشهداء؟ ألأجل رفيق الحريري؟ أذهب الى أقرب كنيسة أو جامع وأصلي لراحة نفسه.
هو يوم الحب في قاموس العشاق، وأنا عاشقة أريد الاحتفال بمن أحبّ كما لم أفعل يوما، فلماذا أضحّي بلحظاتي النادرة؟
لماذا أنزل؟ ومن أجل من؟ أمن أجل زعيم مثل وليد جنبلاط، والذي بعدما كان بشار الأسد بالنسبة إليه "حوتا لفظته البحار"، يقف هو نفسه الآن عند باب الحوت يرجوه أن يقبل به مجددا في المحيط السوري، لا بل في دارة الحوت إياه؟!
من أجل من ننزل؟ من أجل مجموعات سياسية عجزت حتى الآن عن التصدي، ولو على الورق في البيان الوزاري، لسلاح حزب حوّل الجمهورية الى دويلة؟
أي يافطة سأحمل؟ وباسم من سنهتف؟ لبنان؟ أي لبنان؟؟
كل هذا وأكثر جال في خاطري -وخاطركم- وأنا أحضر لقاء 14 آذار في البريستول.
لكن، وفي فورة الغضب والاستخفاف تذكّرت. تذكّرت أن المجتمعين – من يمثلني منهم ومن لم يعد كذلك – كل هؤلاء ليسوا 14 آذار، ولا يمكن أن يبقوا كذلك ما لم نكن نحن… نحن 14 آذار ونيسان وأيار وتشارين وكوانين وكل الأيام والفصول.
نحن الألوان الأبيض والأحمر والأزرق، والأهم الأهم الأخضر. نحن الشعارات والشخصيات وزعماء الساحة وساستها ومهندسو نضالها وجمالها .
نحن كل شيء. ولولانا نحن، نحن الشعب المناضل المقهور المغامر المقاوم الصلب الضعيف المحب الحاقد المسامح… الذي لا ينسى ما فعل به الاحتلال وما فعل هو لطرد المحتل…
نحن الناس الذين دفعنا بالدم والنار ثمن الحرية في تلك الساحة بالذات، ولو لم نفعل ذلك لكنا ما زلنا أسرى حاكم ولاية عنجر ومكتب جميل السيّد وما شابه…
لولا لم نكن نحن 14 آذار، ولولا تلك الساحة التي ما عادت بفضلنا مستباحة للغرباء، لكان المشهد تغيّر كثيرا، ولكان لون العلم الآن مسيّجا أكيد أكيد بالسواد.
في 14 شباط… انزلوا.
وسأنزل إلى ساحة الشهداء، ليس لأنني ما عدت خائبة، فما زلت كذلك. وليس من أجل أحد، بل سأنزل وألبس الأحمر وأحمل جبران تويني وبيار الجميل وسمير قصير وأنطوان غانم، ولن أنسى طبعا جورج حاوي وباسل فليحان ووليد عيدو وفرانسوا الحاج ووسام عيد. وسأسجل دائما لرفيق الحريري في مفكّرتي وذاكرتي أنه جمعنا ويجمعنا كلنا في هذه الساحة من أجل لبنان، وأحتفل بعيد العشاق معه ومع الرفاق والحلفاء والشهداء على طريقتنا.
لكل ذلك سأنزل في 14 شباط الى الساحة وستنزلون كما كل سنة.
يللا انزلوا يا شباب ولا تكترثوا للزعماء، فأنتم زعماء هذه الساحة وأسيادها وحرّاسها.