#dfp #adsense

“أن تنير شمعة خير من أن تلعن الظلام”

حجم الخط

رفيق الحريري بين جحيم الثورة ورحابة التسويات
"أن تنير شمعة خير من أن تلعن الظلام"

الثورة:
الثورة كمصطلح سياسي هي انقلاب على وضع راهن الى أوضاع أخرى قد تكون أفضل أو أسوأ من ذي قبل. وقد تكون هذه الثورة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو صناعية أو في أي مجال من المجالات الأخرى. ولكنها في النهاية تكون مبنية على هدم الماضي وبناء المستقبل، وهذا ما يؤدي في كثير من الأحيان الى إنكار كل الإيجابيات من تجارب الماضي وحكمته.

في المجال السياسي، فإن الثورة هي ظاهرة مهمة في التاريخ لأنها تؤدي عادة الى تحولات حادة في أنظمة الحكم عندما تستعمل المجموعات الثورية العنف (المسمى ثورياً) لفرض التغيير الذي تسعى إليه وقلب نظام الحكم. وقد تأتي هذه الثورات على خلفية وطنية أو شعبية لتعبّر عن رفض الظلم أو الحكم الأجنبي، أو قد تأتي كوسيلة لفرض سلطة جديدة كما يحدث في ثورات العسكر. وفي كثير من الحالات، تبدأ الثورة بشعارات مؤيدة لحقوق الشعب، وتنتهي بديكتاتوريات عسكرية أو حزبية تجعل من الشعب أداة في يد السلطة الحاكمة.

رفيق الحريري:
لست أدري إن كان الشاب رفيق الحريري تخيل مسار حياته الشبيهة بقصص الأساطير، أو أنه كان يتصوّر مساراً أكثر طموحاً حتى مما وصل إليه، ولا يمكن لأحد اليوم أن يتكهن الى أي مكان كان سيصل لو لم يقرر المجرم إنهاء مسيرته بالشكل الذي حصل في 14 شباط.

ولكنني أتصوره في شبابه ثائراً بهدوء، ومن دون شعائر، على الوضع الاقتصادي الذي فرض على طفولته وفتوته، فحاصر طموحاته ولو الى حين، وقد يكون أحياناً مر بلحظات يأس كانت تعود ثورته الكامنة لتنتشله منها بسرعة الى عالم الأمل الواسع.

لكن هذا الشاب اكتشف مبكراً بأن الثورات، وإن كانت تحدث تغييراً جذرياً في الأوضاع، لا يمكنها دائماً أن تصل بشكل مؤكد الى الأهداف السامية ولا الى تحقيق الشعارات المثالية التي وضعت لها، فغالباً ما تتوالى الأحداث بشكل مأسوي بحيث تحصد الثورة أعداداً لا تحصى من الأبرياء، أو حين يحتكم التعسف في عقول قيادات الثورة فتبطش وتظلم وتتجنى بإسم الثورة وبإسم المبادئ والمثل العليا. كما أن هذه الثورة قد تواجه بثورة مضادة مما يفتح باب الصراع، مما يعني طبعاً المزيد من الضحايا.

وقد تكون إحدى أهم سلبيات الثورة هي العشوائية في تدمير الماضي من دون التفريق بين ما هو مفيد وما هو مضر، وقد تكون هذه حاجة ضرورية لدى قيادات الثوار لإقناع الشعب بأن التاريخ بدأ مع الثورة وأن كل ما سبقها هو وهم أو باطل.

بالمحصلة فإن الشاب رفيق الحريري إختار منطقاً آخر في مسار حياته هو الحوار الذي ينتج التسويات، وأصبح مقتنعاً بأن حتى الإنقلابات الجذرية والتبدلات الحادة يمكن الوصول إليها من دون ثورة ومن دون عنف ثوري.

على هذا الأساس، فبدل الثورة المفتوحة على الفقر، اختار العمل الدؤوب والمثابرة لمواجهة ضيق الأحوال المعيشية التي عاناها في فتوته، ولا داعي في هذا المقال للحديث عن النجاحات الكبرى التي حققها على المستوى الشخصي في هذا المجال.

وبدل الثورة على الجهل، قرر رفيق الحريري أن يدعم العلم فكان ما أصبح معروفاً من دعمه للآلاف من اللبنانيين بشكل أسطوري في مسار التعليم الذي لولاه لكان الوضع الاجتماعي في لبنان لا يزال يعاني خللاً بنيوياً بين أبنائه وبين فئاته.

وبدل الثورة على الحرب الأهلية التي كان تنهش لبنان، يعني بدل أن يؤسس ميليشيا تستقوي على المكوّنات الأخرى، اختار العمل للوفاق وإنتاج التسويات من خلال مسار طويل ابتدأ في مؤتمري جنيف ولوزان، مروراً بمحاولات أخرى محلية انتهت بالفشل، وصولاً الى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية.

أما في الحكم فقد كان واضحاً اختياره للبناء والإقدام بدل الجلوس على الأطلال وانتظار الفرج. ولكن السمة المميزة لشخصية رفيق الحريري في كل المراحل، وحتى في أصعبها وأكثرها دقة، هي ابتعاده عن الثورات والفورات ومنطق وقفات العز الفارغة، لأنها كلها لم تكن تساوي بالنسبة له ضحكة من طفل ينعم بالراحة، أو شاب يتخرّج من المدرسة أو الجامعة، أو ارتفاع صرح فوق ما كان ركاماً خلفته سنوات وأعباء الثورات العبثية المتتابعة.

كلنا كان يخطر على بالنا في حياة رفيق الحريري بأنه سيثور يوماً فيقلب الطاولة ويعلن عن مواطن الفساد أو الخلل أو يصرخ من كثرة الألم الذي تعرض له في مسيرته في الحكم، أو حتى يترك البلد في احتجاج مدو… لكنه حتى في أحلك الظروف كان يحسم المواجهة مع خصومه بتسوية جديدة "حتى لا يموت الديب ولا يفنى الغنم".

فإن كان منا الآن مَن لم يفهم ما الذي دفع سعد رفيق الحريري الى خوض التسويات المؤلمة التي شهدناها حتى الآن من السابع من أيار الى زيارة سوريا، يكفي أن نراجع سيرة أبيه لنفهم سره.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل