حزن. والحزن يفرض الحرمتين، حرمة الموت وحرمة الحياة. وهو بلد لم تبق فيه حرمة لشيء، أو لأحد. سوى الخوف والتسلّط. وبلد بلا قواعد، بلا أصول، بلا معارف. حزن في اليمّ وفوضى في اليابسة. لم يعد بلداً خليقاً حتى بآداب الحداد.
تلقى "المنبر" رسائل احداها من قارئ في ألمانيا، حول الاساليب التي توسّلها الاعلام في تغطية كارثة الطائرة الاثيوبية. الحزن على فقد الاخلاق العامة، كاد يكون في حجم الحزن على الضحايا، لو لم يمت والد ألبر العسال، حزناً على موت ابنه. مات في نومه. أو في لوعة النوم. وكان قد سمع قبل ان يأوي الى سرير الأرق، مراسلاً متدنياً يقول لأهالي الضحايا "الأمل ضعيف في العثور على جثث، لأن الأسماك تكون قد أكلتها".
والناطق الصحي يقول، معتمداً أقصى الدقة والأمانة: "لقد جمعنا أشلاء ثلاثين جثة. وسوف نرى ماذا نفعل بالموضوع". و"الموضوع" كارثة إنسانية، فيها آباء وأمهات وأطفال. والمرء يتساءل، وهو مسمّر اضطرارياً، يرى كيف يتعامل اللبنانيون مع كرامة الموتى ومشاعر الأحياء، يتساءل، ما الذي حطّ بنا وبآدابنا الى ما دون 1500 متر في قاع البحر.
ثمة مدرستان في تغطية الكوارث. الأولى، تمثّلها مدرسة روبرت موردوخ، التي تسمح بطرح أي سؤال وبثّ أي صورة ونقل أي كلام، من دون عرضه على مصفاة تتحلى بالخصال الانسانية. هذه "المدرسة" تشكّل حتى الآن نسبة خمسة في المئة من طرق التغطية. وهناك المدرسة التقليدية، التي تقضي، بعدم استباق أي بيان رسمي قاطع، ومراعاة أسر الضحايا وليس درجات الإثارة، وعدم المتاجرة بآلام الناس، والحرص على عدم صدم الاطفال بصور تبقى في ذاكرتهم مدى الحياة، وتغليب الجانب الانساني بالإشارة الى "مفقودين" وليس الى جثامين أكلتها الأسماك.
المراسل الذي يوفد الى مواقع المأساة، يجب ان يبلّغ، انه ليس ذاهباً لتغطية مباراة في كرة السلة او في كرة القدم. ولذا يجب أن تكون الأسئلة مختلفة. هذه مأساة لا مباراة. هنا أمهات وآباء وأبناء وأشقاء وأصدقاء. هذه ليست هومنتمن وراسينغ.
نقل عن أحد مسؤولي الاعلام، انه في مثل هذه الحالات، للمراسل الحرية في ان يطرح السؤال الذي يشاء! أتمنى ان يكون النقل خطأ او كذباً. ففي مثل هذه الحالات، تتضاءل حتى شبه الانعدام، حرية المراسل في ان يطرح على ذوي الضحايا، أسئلة تسيء اليهم والى مفقوديهم. ويمنع عليه، المراسل، حتى لو كان مخبراً ناشئاً، أن يطرح الأسئلة التي تولّد الاستفهامات والشائعات السخيفة، كمثل تلك التي اضطرت "حزب الله" الى نفي ما تردد، من "تحاليل" و"معلومات".
فالإنسان الضعيف في كل مكان، وهو واهن في لبنان ومعقّد ومليء بالتناقضات والاغراض، يميل دوماً الى تقبّل السوء ورفض الحقائق أو الوقائع. ولذا التفتت قلّة الى الكلام الجدي الذي سارع الرئيس ميشال سليمان الى قوله، بأن لا جرم تخريبياً في الأمر.
والتحقيقات في مثل هذه الكوارث تستغرق عادة ستة أشهر على الأقل، كما حدث مثلاً لطائرة "آر فرانس" التي سقطت قبالة الساحل البرازيلي، وأحياناً بضع سنوات، كما في الطائرة المصرية قبالة بوسطن، أو الطائرة السويسرية قبالة نيو برانزويك، الكندية، لكننا في لبنان قررنا الجزم في الاسباب والنتائج، بعد ساعات من شهادة أدلى بها عامل مصري في محطة بنزين. وتحوّل كل محدّث الى خبير في شؤون الطيران. ولم يبق "أبو العبد" واحداً من ضيوف البرامج المضللة والغارقة في الأوحال الجافة، إلا وفرد خبرته على طريقة بصّاري "البرجيس" وقارئي بخوت الموتى.
وهو حزن عام وعميق. حزن على ما تعرّض له الاحياء، وليس فقط على أقدار من فقدنا. فهذا هو القدر. لا أحد يستطيع ان يميّز فيه السخرية من الجدية. ومنذ اليوم الأول، تابعتُ صحف أديس أبابا، لكي أقارن كيف تغطّي جانبها من المأساة. اديس أبابا التي ترسل الينا الخادمات كي نضطهدهن ونعذّبهن ونجوّعهن! ولم أفاجأ إطلاقاً. التزمت الصحف جميع القواعد الاخلاقية التي لم نلتزمها. لم تنقل كلمة عن مصدر لا معنى له، ولا ثقة فيه. لم تتاجر بثياب الضحايا ولا بأسماك المتوسط. لم تنشر صور الثياب الطافية على سطح البحر، باعتبارها سبقاً صحافياً. لم تنقل العويل ولم تزد فيه ولم تزد عليه.
تلك هي اثيوبياً الافريقية ونحن هذا البلد المتقدّم! كم بدونا متخلفين أمام جميع الأمم، من بلاد الامبراطور هيلاسيلاسي الى البلاد التي اعانتنا بسفن المسح وسفن الانقاذ. نحن، قدمنا كاميرات الثياب الطافية على سطح المياه، وصور الشواطئ المليئة بالزبالة والنفايات، والشائعات التي صارت عماد البلد والوطن وانسياق الناس الى ضحالة الوجود المليء بالاجوبة القاطعة، والخالي من أي سؤال عقلي او منطقي أو مشاعري.
حزن صار عيباً. بعض التماسيح يتولى ابلاغ القلوب الحزينة ما يحدث على الشاطئ اللبناني. زبالة وثياب طافية فوق الموج. شعرت بخجل في مثل عمق الصندوق الأسود وفي عمق لونه. أتذكر أيام كمال جنبلاط الذي منع، كوزير للداخلية، نشر صور جثث الجرائم، حفاظاً على نفوس الاطفال. وأتذكّر أيام بيار الجميل، الذي منع الزمور، فقرعنا له التنك. وأفكر في مستشفيات بيروت، وما حول مرضاها من زمامير ودياجير وجماهير بلا ذوق أو مشاعر أو خلق.
تخطّى ثلاثة وزراء من الحكومة مستويات الناس: الياس المر وغازي العريضي وزياد بارود. ولا يزال وزير الاعلام يتلمظ في قراءة البيان الرسمي ويتأنق في العثور على السطور أمامه والناس في حزن وفي قلق وفي وجوم. وتحية الى المر، والعريضي، وبارود. بالمسؤولية والأقدمية. بعدم التلمظ في الحديث عن الموت والضحايا وعدم التأنق في قراءة بيانات اللوعة وقرارات مجلس الوزراء.
كلما ابتعدنا عن المشهد ازددنا حزناً. وأنا، من هنا، على بعد نحو عشرة آلاف كيلومتر، حزين على لبنان، البلد الذي يسمي زياد بارود وزيراً للداخلية ثم يبحث في حق أبناء الثامنة عشرة في الاقتراع. البلد الذي يقترع لبهية الحريري ثم يقرر "كوتا" نسائية من 20 في المئة للمرأة في المجالس البلدية. البلد الذي اقترعت فيه المرأة قبل ان تقترع في سويسرا. ولكن هذا هو ايضاً البلد الذي تؤلفه الطوائف لا البشر، والزعامات لا الناس، والاقطاع الموروث، أو، الأسوأ، الاقطاع الحديث الولادة، حيث لم يعد الارث للحسب بل للنسب.
تعلمنا، عند لويس الحاج، ان كل كلمة لها مدلول. لا يقال "المجرم" الا بعد صدور الحكم، ولو أقر الفاعل بجريمته، ويقال "المشتبه فيه" ولو اكدت لنا الشرطة ان لا شك في أمره، ويُقال "المفقود" الى ان يُعثر عليه، حياً أو ميتاً. ولا يُقال أكلته الاسماك، لأن هذه لغة الوحوش والأفظاظ والبراري. ولا يُزاد على حزن الحزانى، لأن هذا دأب تجّار الموت لا الصحافيين. وذلك زمن كان ممنوعاً فيه أن تخطئ في عين المضارع، تحت طائلة التأنيب. وهذا زمن آخر. زمن الضحايا والأسماك والحرية في طرح الأسئلة.