بعدما انتقلت من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الصمود
دور قوى 14 آذار ينتهي بقيام الدولة القوية
إذا كان احياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه كل سنة لن ينتهي حتى بعد معرفة الحقيقة وصدور حكم العدالة، فمتى ينتهي دور قوى 14 آذار؟
الواقع ان هذه القوى نجحت في تحقيق انسحاب القوات السورية من كل لبنان فاستعادت استقلاله وسيادته وحريته، فكان الاستقلال الثاني، ونجحت في تشكيل لجنة تحقيق دولية في جريمة الاغتيال وفي انشاء محكمة لهذه الغاية ينتظر ذوو الشهداء بفارغ الصبر، صدور احكامها لمعرفة الحقيقة وإحقاق الحق ولكي لا يظل في استطاعة أي مجرم الافلات من العقاب، كما نجحت في وقف استمرار التعطيل وادخال المؤسسات في الفراغ.
لكن هذه القوى لم تنجح في استعادة السلطة كاملة بل ظلت في صراع دائم مع نصفها الآخر وهو من بقايا حكم الوصاية السورية الطويلة على لبنان. ومع أن قوى 14 آذار فازت بأكثرية المقاعد النيابية، فإنها لم تستطع ان تستعيد السلطة كاملة لأن الأقلية، كونها مسلّحة، استطاعت أن تفرض رأيها على الأكثرية وأن تحول دون تمكينها من انتخاب رئيس للجمهورية منها وان تفرض عليها انتخاب رئيس لمجلس النواب من الأقلية، وتشكيل حكومة سميت "حكومة وحدة وطنية" بحجة ان الأكثرية التي انبثقت من انتخابات 2005 هي أكثرية "وهمية وعابرة" لا يحق لها الاستئثار باتخاذ القرارات بل يجب أن تشارك كل القوى السياسية الاساسية في اتخاذها تحقيقاً لما يسمى "الشراكة الوطنية" بديلاً من عبارة "الثلث المعطل" النافرة…
وكانت تجربة تشكيل تلك الحكومة المسماة "حكومة وحدة وطنية" تجربة فاشلة لأنها لم تتوصل الى اتفاق وتوافق على أي موضوع مهم ولا حتى على التعيينات التي كانت ملحّة وتتطلبها انتخابات 2009 من أجل تأمين حسن سيرها.
واستمر الصراع الحاد بين أكثرية انتخابات 2005 والأقلية، ليس داخل المؤسسات الدستورية بل خارجها، مما زاد الانقسامات الداخلية حدّة وشراسة وكاد أن يقضي على العيش المشترك الذي يشكل ركيزة الوحدة الوطنية ودعامة الاستقلال والكيان.
وبانتهاء ولاية مجلس النواب، توجهت الانظار الى انتخابات 2009 علّ نتائجها تكون مصيرية وحاسمة في انهاء وجود السلطة الثنائية التي تتألف من أكثرية لا تقرر وأقلية تعطل، بل سلطة تحكم فيها الأكثرية والأقلية تعارض إلى أن تصبح الأكثرية أقلية، والأقلية أكثرية فتنتقل السلطة عندئذ من طرف الى آخر تطبيقاً لمبدأ التداول فيها.
لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، إذ ظلت الأكثرية النيابية التي فازت بها قوى 14 آذار في انتخابات 2009 غير قادرة على الحكم وحدها لأن الأقلية المسلحة ظلت تطالب بحصتها في السطلة بحجة أن الأكثرية إذا كانت أكثرية نيابية فإنها ليست أكثرية شعبية… فاستطاعت مرّة أخرى أن تفرض تشكيل حكومة وحدة وطنية ولو بالأسم… ليتحول دور استئثار الأكثرية باتخاذ القرارات.
وهكذا انتقلت قوى 14 آذار من مرحلة الهجوم عام 2005 محققة انتصارات بعضها كامل وبعضها الآخر جزئي، الى مرحلة الصمود والتصدي مكتفية بتحقيق انتصارات سلبية والحؤول دون تمكين الأقلية المسلحة من تحقيق انتصارات تعيد البلاد الى ما كانت قبل عام 2005 وإن بوصاية مقنّعة، وتقضي على المكتسبات التي حققتها قوى 14 آذار.
هذه الوقائع في رأي بعض أركان هذه القوى تؤكد أن دورها لم ينته بعد، فاذا كانت قد حققت الاستقلال الثاني للبنان، فإن عليها أن تحقق مرحلة العبور الى الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية، فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها، وهذا لا يتحقق إلا إذا تمّ التوصل الى تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته.
والتوصل الى ذلك يحتاج الى جهود قوية والى سعي دائم ودؤوب والى مزيد من التضامن والتماسك لقوى 14 آذار وكل من يرى رأيها، إذ لا معنى لاستعادة الاستقلال إن لم تتم المحافظة عليه، ولا معنى لاستقلال لبنان إن لم يتحقق استقلال الدولة، وإذا حالت الظروف الاقليمية والدولية دون تمكين قوى 14 آذار من تحقيق هذا العبور الذي قد يكون شاقاً وطويلاً، فإن على هذه القوى ان تعدّ نفسها اعداداً تاماً لتحقيقه مهما طال الوقت وغلت التضحيات، وان تخوض من أجل ذلك معركة الصمود والتصدي ريثما تسمح الظروف بالانتقال الى مرحلة الهجوم. وهذا يتطلب إعادة تنظيم قوى 14 آذار بعد خروج ركن منها هو النائب وليد جنبلاط ووضع برنامج سياسي للمرحلة المقبلة يكون مدعوماً بإرادة شعبية واسعة وقويّة تعبر عن رغبات وتطلعات اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، وتمثل جميع المكونات من أحزاب ومنابر سياسية وطنية، وهيئات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة وقطاعات اقتصادية ومالية ونقابية، واغتراب، وأن يكون عنوان المرحلة المقبلة الالتزام ببناء الدولة المدنية الحرة السيدة المستقلة، التي تصون العيش المشترك، وتفعّل رسالة لبنان في محيطه الاقليمي والعالم.
فقوى 14 آذار التي نجحت في استعادة الاستقلال والسيادة والحرية للبنان وإنهاء حكم الوصاية، عليها أن تعمل بكل تضامن لتحقيق قيام الدولة المدنية، دولة الكفايات والنزاهة والشفافية، التي يكون الحكم فيها للأصلح والأجدر والأعلم الى أي حزب أو تيار أو سياسة أو مذهب انتمى. وهذه الدولة لا يمكن ان تقوم بارادة فئة واحدة مهما كانت تمثّل، بل بإرادة كل الفئات، كي تكون الدولة التي تحمي الجميع وتحافظ على حقوق الجميع، وعندها لا تبقى حاجة الى 14 آذار ولا الى 8 آذار بل يصبح الجميع في حاجة إلى الوطن والدولة، والوطن والدولة في حاجة اليهم جميعاً. ومن أجل كل ذلك عقدت قوى 14 آذار لقاءها الأخير في البريستول تحت شعار "مستمرون" لأن هذه القوى هي وليدة 14 شباط ولا يمكن الفصل بينهما مهما تغيّرت الظروف والاحوال.