#adsense

ترك المعارضة في ايران تنضج على “نار” إيرانية

حجم الخط

إصدار قرار دولي بتشديد العقوبات على ايران مؤجل بسبب انقسام دول الـ5 +1
ترك المعارضة في ايران تنضج على "نار" إيرانية

ترأس فرنسا مجلس الامن الدولي طوال شهر شباط الحالي. تعتقد باريس ان امامها فرصة استثنائية للتحكم في "بوصلة" القرار الدولي بما يتعلق بالملف الايراني. باريس المتشددة تريد سحب دول الخمس زائد واحد الى موقعها لإصدار قرار برفع سقف العقوبات ضد ايران الى اعلى ما يمكن. الرغبات الفرنسية مهمة، لكن ليس بالضرورة ان تجري "الرياح الدولية" بما يتناسب مع "أشرعة" هذه الرغبات.

العقدة الرئيسية التي تكاد تكون عقبة لا يمكن القفز فوقها، هي موقف الصين الشعبية، وايضا روسيا. استقبال وزير الخارجية الصيني في الكي دورسيه، واللقاء الذي جرى بينه وبين الوزير الفرنسي برنار كوشنير لا يدل على حصول اي تغيير في الموقف الصيني. مصالح الصين فوق كل المصالح والمواقف بالنسبة لبكين. هذه المصالح لا تتقاطع حاليا ولفترة طويلة كما يبدو مع الطموحات الفرنسية. الوزير الصيني كرر القول إنّ من "الضروري مواصلة المفاوضات والحوار". لم يحن الوقت بالنسبة لبكين لقرارات متشددة اضافية. عملياً مجلس الامن سيبقى مجمداً. المناقشات داخله متى حانت لن تكون الا صدى لكل المباحثات والمحادثات التي تجري خارجه بين العواصم الست.

استقلالية قوة اقليمية ممنوعة

لا شك ان التناقضات والاختلافات في مواقف الدول الستة واسعة ومتعددة وليست محصورة فقط بـ"معسكرين"، الاول يضم واشنطن وباريس ولندن وبرلين، والثاني روسيا والصين. داخل كل "معسكر" اختلافات، بعضها عميق. طهران تعرف ذلك وهي تلعب على كل هذه التناقضات.

واشنطن ترغب بتشديد العقوبات على ايران لكنها ليست مستعجلة. "الادارة الاوبامية" لديها استحقاقات اهم بالنسبة لها في افغانستان وباكستان والعراق. أبعد من ذلك لا تبدو واشنطن في زمن اوباما اكثر تفاهما مع الاتحاد الاوروبي في زمن بوش. اوباما سيقاطع انعقاد اللقاء السنوي الاميركي الاوروبي في اسبانيا. قد تؤدي هذه المقاطعة الى إلغاء او تأجيل المؤتمر. هذا بدون التغاضي عن واقع العلاقات غير المستقرة مع باريس.

باريس، الاكثر تشددا من باقي العواصم الى درجة انها تقف في موقع واحد مع اسرائيل المتصادمة مع ايران. يعيد البعض موقفها الى "شهر العسل" غير المشهود في العلاقات الفرنسية الاسرائيلية، في حين يقرأه آخرون بأنه جزء من رؤية غربية قديمة ومتجددة تقوم على ركيزتين: الاولى ممنوع ان تتحرك قوة اقليمية الى قوة نافذة خارج النفوذ الغربي في منطقة الشرق الاوسط. الثانية، رغبة باريس باستثمار هذا التصعيد لبيع مزيد من المفاعلات النووية والاسلحة لدول المنطقة خصوصا المجاورة منها لايران.

بريطاينا وبرلين، وان كانتا لا "ترقصان" سوية على وقع "نغم" واحد، الا ان أياًَ منهما ليست مستعجلة للذهاب بعيدا في التشدد ضد ايران لاسباب تتداخل فيها المصالح بالعلاقات التاريخية وحتى العرضية.

روسيا والصين لن تقدما "الهدايا" للآخرين قبل ضمان مصالحهما اولا. كلاهما لا تريدان ايران نووية خصوصا موسكو الجارة الجغرافية، لكن ذلك لا يعني مطلقا الانزلاق نحو موقف غير واضح في اسبابه وفي نتائحه. ما يساهم في تبلور موقف صيني اكثر تشددا حاليا هو تلك "الغيوم" التي تجمعت دفعة واحدة في سماء العلاقات الصينية الاميركية واحتمال تزايد الاحتكاكات مستقبلاً. كل ذلك في وقت تشعر الصين انها الاقوى وان الولايات المتحدة الاميركية الاضعف.

باريس تسرّع حركتها الديبلوماسية وواشنطن تسرع حركتها العسكرية وستعمل على "توسيع المظلة الامنية فوق الخليج" عبر نشر السفن والصواريخ. لكن لا يعني ذلك ان الحرب ستقع غداً. كلفة الحرب ضد ايران مازالت أعلى بكثير من عائداتها. الى جانب عدم ضمان موعد نهايتها، مما يفتح المستقبل على كل المخاطر.

اسرائيل النادرة على "الخريطة"

ما يدفع واشنطن الى التروي والتهدئة بعكس باريس، وجوب ترك المعارضة الايرانية "تنضج على نارها الخفيفة". واشنطن تدرك ان تدخلها، ولو تلميحا، يضعف هذه المعارضة، التي بدورها وهي تتجذّر في مواقفها، فإنها ترفض ان تحتسب على اي طرف خارجي. كلمة مير حسين موسوي حول "استبداد النظام" تشكل قفزة نوعية في توجه المعارضة. حتى الآن لم يكن لهذه المعارضة هدف سوى إلغاء نتائح الانتخابات الرئاسية وإجراء اخرى جديدة. الآن اصبح لهذه المعارضة هدف اكبر وجامع لاطياف شعبية اضافية تحت صيغة تحقيق الاهداف الحقيقية والاساسية للثورة التي قادها الامام الخميني. بقاء هذه المعارضة تحت سقف "شرعية الثورة" يمنحها "شرعية شعبية" لا يمكن للسلطة "تخوينها" تسهيلا لضربها من بيت أبيها اي الشعب الايراني.

طهران، مازالت تقود الايقاع في كل ما يتعلق بملفها النووي، ليس لانها بارعة ولكن لانها تدرس بعمق وعن معرفة مواقف القوى التي تواجهها. اهم ما تعرفه طهران وتعمل وفقا لقواعده ان "المعسكر" الذي تواجهه "معسكرات". ان الحرب مازالت ممنوعة. وانها تعرف متى تكر ومتى تفر. في توقيت مدروس جيدا، رمى احمدي نجاد "كرة النار" في ملعب الخمس زائد واحد، فزاد من الفرقة بينهم وجعلهم يبحثون في ايجابيات عرضه بدلا من البحث في الرد على مواقفه السابقة. عرض احمدي نجاد في استبدال جزء مهم من الاورانيوم المخصب بنسبة 3,5 بالمئة بأورانيوم مخصب بما يكفي لكي يصبح وقودا نوويا للنشاط النووي السلمي، لم يمكن رفضه. لكن حتى هذا العرض معلق على سؤال عملي وهو ما هي هذه الكمية وما هي الآلية التي ستتحكم في أخذه ومبادلته؟ المهم ان البحث الآن، على خلاف باريس المهتمة بالتجربة الصاروخية الايرانية الى الفضاء، هو حول العرض الرئاسي الايراني الجديد.

اسرائيل وحدها قادرة على "خربطة" اللعبة كلها. ان يقفز الطيران الاسرائيلي فوق كل التحفظات ضد الحرب، ليوجه ضربة الى ايران، قد يقع، لكنه يشكل نوعا ما من انفلات مكشوف للجنون. السؤال ماذا ستفعل واشنطن لو وُضعت امام هذا الواقع المرّ؟ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لا يترك رئيسا ولا زعيما عربيا وحتى دوليا، الا ويعبّر أمامه عن "مخاوفه وحتى خوفه من قفزة اسرائيلية نحو هذا المجهول". "صداقته" لبيبي (بنيامين نتنياهو) تجعل من تحذراته "رسالة" مباشرة حول ما سيقع.

يبقى ماذا عن العرب المعنيين المباشرين في هذه "اللعبة" القائمة على عامودين: الاوّل وجود خطر محتمل بحصول ايران على قنبلة نووية او على الاقل "قنبلة ذرية". خطر قائم متمثل في مخزون نووي اسرائيلي يتراوح بين مئة ومئتي قنبلة نووية؟ والثاني في غيوم مثقلة بخطر حرب لن يكون اي واحد بعيدا عن مجرياتها وتردداتها ونتائجها؟ على الاقل شيء من الحركة. لماذا لا تدعو دول عربية فاعلة الى مؤتمر دولي للعمل على حل هذه المشكلة او على الاقل لوضع كل طرف امام مسؤولياته؟ لعل ذلك يدفع بطريقة غير مباشرة نحو انعقاد مؤتمر دولي حول ملف النزاع العربي الاسرائيلي؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل