لأن لبنان عاجز ومجلس الأمن غير قادر وسوريا لا تساعد
القرار 1701 حقّق هدنة لإسرائيل ولم يُقِم الدولة اللبنانية
تتساءل أوساط رسمية وسياسية وشعبية ماذا يمكن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان مايكل وليامس ان يقول في تقريره الدوري عن تنفيذ القرار 1701 نهاية الشهر الجاري غير ما قاله في تقارير سابقة سوى تسجيل مزيد من الخروق، لا سيما من جانب اسرائيل، وأن تنفيذ هذا القرار لا يزال متوقفا عند النقطة ذاتها ولم يحصل أي تقدم يجعل التنفيذ ينتقل من مرحلة وقف العمليات العسكرية الى مرحلة وقف شامل للنار.
الواقع، أن الغاية من صدور القرار 1701 كانت تحقيق هدنة أمنية ثابتة بين لبنان واسرائيل تبدأ بوقف العمليات العسكرية ثم بوقف شامل للنار لكي يصير في الامكان تنفيذ البنود الاخرى المهمة التي من شأنها أن تقيم الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية بحيث لا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها. لكن تنفيذ هذه البنود لم يتم حتى الآن رغم مضي ما يقارب الثلاث سنوات على صدور القرار 1701، فلا أمكن بسط سيطرة الحكومة على جميع الاراضي اللبنانية وفق أحكام القرار 1559 والقرار 1680 والاحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف، ولا أمكن الحكومة اللبنانية ممارسة سيادتها الكاملة حتى لا تكون هناك أي أسلحة من دون موافقتها ولا سلطة غير سلطتها، ولا تم اتخاذ ترتيبات أمنية لمنع تجدد الاعمال القتالية بما في ذلك انشاء منطقة بين الخط الازرق ونهر الليطاني خالية من أفراد مسلحين او معدات او أسلحة بخلاف ما يخص الحكومة اللبنانية وقوة الامم المتحدة، بدليل ان تفجيرات حصلت داخل هذه المنطقة واستهدفت عناصر من القوة الدولية او آليات لها، كما انطلقت منها صواريخ في اتجاه الاراضي الاسرائيلية كادت أن تعيد تبادل العمليات العسكرية على الحدود مع اسرائيل، كما لم يتم منع مبيعات او امدادات الاسلحة والمعدات لمجموعات في لبنان غير ما تأذن به الحكومة اللبنانية، وهو ما جعل ترسانة هذه المجموعات وتحديدا ترسانة "حزب الله" تتضاعف، ولم يتم ايضا نزع السلاح خارج الدولة وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا لا سيما في مناطق الحدود المتنازع عليها او غير المؤكدة بما في ذلك معالجة مسألة منطقة مزارع شبعا. ولم يتقدم الامين العام للأمم المتحدة بان كي – مون من خلال اتصاله بالعناصر الدولية الفاعلة والاطراف المعنيين، كما طلب منه مجلس الامن، بمقترحات لتنفيذ كل البنود الواردة في القرار 1701 وفي القرارين 1559 و1680 وفي اتفاق الطائف، وقد حددت له مهلة ثلاثين يوما لعرض هذه المقترحات على مجلس الامن، وأن كل ما فعله الامين العام هو تقديم تقرير روتيني يعرض فيه الوضع في منطقة انتشار القوة الدولية مع الجيش اللبناني في الجنوب ويسجل فيه الانتهاكات الحاصلة وعدم تنفيذها تنفيذا دقيقا كاملا، ومن دون اقتراح آلية تكفل ذلك، خصوصا في ما يتعلق بتأمين الحدود اللبنانية – السورية لمنع دخول الاسلحة أو ما يتصل بها من عتاد الى لبنان من دون موافقة الحكومة اللبنانية.
وكما أن القرار 425 لم ينفذ إلا بالمقاومة لكن تنفيذه لم يحقق الأمن على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية والعودة الى اتفاق الهدنة المعقودة بين الدولتين عام 1949، فظلت الاعمال العسكرية المتبادلة مع بقاء وجود مسلحين فلسطينيين في المنطقة ثم وجود "المقاومة الاسلامية" بقيادة "حزب الله" لأن سوريا تريد أن يكون المسار اللبناني مع اسرائيل متلازما مع مسارها، فلا يتحقق انسحاب اسرائيلي كامل من الجنوب اللبناني الا مع تحقيق الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الجولان. وكما ربطت سوريا الانسحاب الاسرائيلي من لبنان بانسحابها من الجولان، فان اسرائيل ربطت بدورها انسحاب قواتها من لبنان بانسحاب القوات السورية، الأمر الذي حال دون توقيع اتفاق 17 ايار، فتحوّل الانسحاب المتزامن بقاء متزامنا ولم يتغير الوضع في الجنوب حتى بعد ارغام اسرائيل على الانسحاب من الجزء الاكبر من الجنوب، لأنه ممنوع على لبنان ان يحل قضيته بمعزل عن حل قضية الشرق الاوسط، أو أقله حل النزاع الاسرائيلي مع سوريا، حتى ان القرار 1559 الذي لا يزال مساعد الامين العام للأمم المتحدة تيري رود – لارسن يضع التقارير الدورية في شانه، بات قرارا لا تعترف به سوريا ولا حلفاؤها في لبنان ويطالبون بالغائه بدعوى أنه اصبح من الماضي وصار تنفيذ ما يجب تنفيذه منه، وقد يكون مصير القرار 1701 كمصيره، وأن تنفيذه بكل مندرجاته رهن بتحقيق السلام في المنطقة أو أقله بين اسرائيل من جهة ولبنان وسوريا من جهة أخرى، ولا "حزب الله" مستعد للتخلي عن سلاحه ما لم تنسحب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، وكذلك من هضبة الجولان السورية كي يصير في الامكان توقيع اتفاق سلام معها.
وما دام القرار 1701 لم يتم تنفيذه بكل مندرجاته، فلن يكون قيام لدولة قوية قادرة في لبنان حتى ولو حقق هذا القرار هدنة لاسرائيل وهدوءا على حدودها الشمالية معع لبنان. ومع تعذر قيام هذه الدولة يبقى السلاح خارج الشرعية، وتبقى أبواب لبنان مفتوحة لكل تدخل خارجي في شؤونه الداخلية، ولن يكون في استطاعة اللبنانيين ان يحكموا أنفسهم بأنفسهم.
لقد كتب الديبلوماسي الاميركي دنيس روس مقالا في "الواشنطن بوست" على اثر صدور القرار 1701، قال فيه: "ان تطبيق هذا القرار رهن بسوريا، الا في حال استطاعت القوة الدولية الجديدة المنتشرة مع الجيش اللبناني منع أي عملية اعادة تجهيز لـ"حزب الله" ودعم الجيش اللبناني معا بحيث يتمكن من تنفيذ المهمة المحددة له في القرار". لكن ما حصل أن لا سوريا ساعدت على تنفيذ هذا القرار ولا القوة الدولية مع الجيش اللبناني استطاعا منع عملية اعادة تجهيز لـ"حزب الله" ولا تم تزويد الجيش الاسلحة اللازمة بحجة أنها قد تذهب الى هذا الحزب، ولا الاخير تخلى عن دوره للجيش في الدفاع عن لبنان بحجة أنه لا يملك السلاح الذي يؤهله للقيام بذلك.
ولفت روس في مقاله الى "أن سوريا ستكون اكثر عزما على احباط تنفيذ القرار 1701، ولن تكون للقوة الدولية القدرة على التفتيش المركز والمكثف وأن تنتشر على كل الطرق بين لبنان وسوريا لرصد أي حركة للناقلات على هذه الطرق، وأن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني لن يكون في استطاعتهما تنفيذ هذا القرار لأن سوريا لا يزال في امكانها استغلال التباينات المذهبية المتصاعدة في لبنان لتحقيق غاياتها".
وختم بالقول: "ان التاريخ متخم بالقرارات الجيدة بشأن لبنان والتي لم تجد أي تنفيذ لها لأن السوريين كانوا يمسكون بالقدرة على اعاقتها، ولأن الرئيس الاسد يصف انتصارات "حزب الله" بأنها هزيمة لمخططات الولايات المتحدة الاميركية في الشرق الاوسط، فيما اعتبرت وزيرة الخارجية الاميركية (السابقة) كوندوليزا رايس ان تنفيذ القرار 1701 سيشكل عقبة استراتيجية للنظام السوري". وتساءل: "هل ستغير سوريا في سلوكها لكي تجعل مصير هذا القرار للأمم المتحدة مختلفا عن مصير غيره من القرارات السابقة؟".
الواقع أن لا شيء حتى الآن يدل على أن في نية سوريا المساعدة على تنفيذ هذا القرار قبل ان تتوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل ويتوصل لبنان والسلطة الفلسطينية الى مثل هذا الاتفاق ايضا. وهذا معناه ان تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته مرتبط بتحقيق السلام، كما أن تخلي "حزب الله" وحركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" عن السلاح مرتبط أيضا بتحقيق السلام.