#adsense

قصة لقاء عراقية مع الأب الحبيس يوحنا خوند

حجم الخط

 

كتبت هند عبد الفتاح ـ  العراق في “المسيرة – العدد 1645:

في العادة أستيقظ قبل ان يوقظني المنبه. حدث ذلك وكان الوقت مبكرا جدا وبدأت بالتحضير للرحلة التي خُصصت لنا ضمن برنامج المواطنة. عادة ما أكون أول الحاضرين لكن هذه المرة سبقني زميلي فارس الى تلك الباحة المزنّرة بأشجار عالية وكأنها غابة يتخللها اللون الاحمر لذلك الورد الجميل، وخيوط الشمس الذهبية التي أيقظت ذلك الطائر المزعج الذي كان السبب في إيقاظ الجميع. كل هذا كان في عيناب في دير القلبين الأقدسين حيث كل شيء منظم، حتى الباب يفتح وفق دوام ثابت فلا يتأخر ولا يتقدم حتى دقيقة واحدة.

انطلق الباص الذي صار رفيق لقاءاتنا مع زملاء البرنامج معلنا بدء الرحلة التي كانت من جبل لبنان الى أماكن عديدة مختلفة ديموغرافيا وسياسيا وجغرافيا من حيث الطقس والتضاريس، وكالمعتاد ولأنني أحب النوافذ في الرحلات الطويلة اخترت الجلوس قرب النافذة لأتمعّن جيدا بالطبيعة الخلابة التي تقودني للتفكير في أمور شتى وأحيانا تأخذني بعيدا من دون تفكير لأعيش بهدوء وطمأنينة .

بدأ نشاط الزملاء وأخذ النعاس يسافر وأخذ طريق البحر يقود أنظاري الى أفق بعيد، وليس مجرد أي أفق إنما طريق يحمل حكايات متعددة.

خروجنا المبكر من محافظة جبل لبنان لم يسعفنا للإفطار واكتفى البعض بفنجان قهوة. وبعد مسافة ساعة أو أكثر بقليل كان لا بد من ان يتوقف الباص في إحدى الاستراحات لنتمكن من تناول الفطور لنبدأ يومنا. لا أتذكر اسم الاستراحة أو المطعم الذي احتوانا لمدة نصف ساعة وبضع دقائق، إلا أنني لا أستطيع نسيان طعم المناقيش الساخنة الخارجة من الفرن يتصاعد منها بخار الجبنة والزيت والزعتر. كانت لذيذة جدا وكنا نجلس الى طاولة واحدة طويلة مزينة بابتساماتنا مع مداخلات البعض. كان المكان مكتظا بالمارة، وعلى ما أتذكر كان يوم أحد عطلة نهاية الأسبوع في لبنان، لهذا كان الجميع متجها الى مكان ما مودعا تعب أسبوع من العمل أو الدراسة.

هنا توقف الباص ليزيد عدد أفراده شخصا واحدًا. كان هذا الشخص يحمل لباقة وأناقة في الشكل والمضمون، ثري المعلومات وغني بالخلق. قد تكون دقة وصفي ظالمة له فالحقيقة أكثر من ذلك، فمن الطبيعي أن كل شخص يلتقي بالأب فادي ضو سيكون محتارا بوصفه وكيف يبدأ.

استمر الباص بالمسير وبدأت مع الزملاء بسماع الأغاني وتردادها وكانت عراقية ولبنانية، بعضها من الفولكلور وأخرى عبارة عن أهازيج جميلة تمثل وحدة وطنية وغيرها كانت تتغنى بتحرير الموصل. كان ذلك اليوم سعيدا لأنه كان يوم التحرير بعد اغتصاب الأرض لأكثر من ثلاثة أعوام.

كان الطريق طويلاً متعرجًا. قطعنا الكثير منه حتى وصلنا الى طريق جبلي وبين مسير ومسير كان الأب فادي ضو يشرح لنا أسماء بعض المواقع وتاريخ بنائها وسبب إنجازها. توقفنا قليلا لنرى مغاور وبقايا قلاع عالية على جوانب الجبال، هذا الطريق كان مليئاً بالكنائس القديمة والأديرة والكثير من المعابد القديمة والتي لم أرَها جيدا إلا بعد التركيز في قمم الجبال فكانت متداخلة وكأنها صخرة من صخور تلك الروابي المتسلسلة .

هنا أعلن الأب ضو عن مكان توجهنا حيث كانت أشبه بالمفاجأة، فقال إننا متجهون لزيارة الناسك أو الأب الحبيس، وبمجرد سماعي لهذه الكلمة تنبهت بشكل جيد لسماع ما يقول الأب فادي، فكلمة ناسك أو الأب الحبيس لم أسمعها من قبل وازداد لدي الفضول لأسمع المزيد وأتعرف إلى هذه الشخصية. بدأت أرسم في أفكاري صورة له وتواردت علامات استفهام كثيرة حوله، وبدأ الباص دخول طرق ملتوية يصعد تارة ويهبط تارة أخرى. وهنا كانت لوحات فنية متعددة الألوان ومبهرة التصميم، فكيف لا تكون مبهرة وقد تجسدت عظمة الخالق في تكوينها.

وصلنا الى مكان في قمة عالية ممزوج بلونين من ألوان الطبيعة: بني مطعم بالأخضر. نعم كان كذلك. القمم البنية تزيّنت بلون الأعشاب والأشجار والشجيرات وكل نوع من هذه البناتات كان يحمل درجة مختلفة من اللون الـخضر فتكوِّن لوحة طبيعية اكتمل جمالها بالعبارات التاريخية والوصف الذي كتب على بوابات الأماكن التي دخلناها بالتدريج. كان الأجمل وجود عدد كبير من الزوّار والسيّاح الذين أتوا من مناطق محلية ودولية مختلفة.

بدأنا باكتشاف المكان والتعرف إليه. كان مزدحما جدا إلا أن الطقس اختلف كثيرا فكان أكثر لطافة وأقل درجات حرارة من الأماكن التي زرناها. النسمات الجميلة جلبت معها أصواتاً أجمل وترانيم مختلطة كانت أشبه بالقداس. نعم كانت صلوات المؤمنين. إنه يوم الأحد الذي تتلى به تلك الصلوات. عند سماعها يأخذك شعور مختلف ربما يكون خشوعا أو حبا وقد يكون خوف من شيء ما وربما طمأنينة. دخلنا مغارة كانت مظلمة جدا إلا أن ضوء الشموع كسر حدتها فكان بصيص أنوار دافئة بحرارة الإيمان. هنالك مكانان لإضاءة الشموع الأول عند مدخل المغارة والثاني في جوفها المخيف. نعم كان مخيفا بالنسبة إلي لأنني أخاف الأماكن المعتمة والمغلقة. إلا ان الفضول وتحدي النفس كسر ذلك الحاجز، فدخلت مع زملائي الى المغارة على ضوء الشموع وقد أضأت شمعة ثانية بعد واحدة قبلها عند باب المغارة، متمنية الأمن والسلام لوطني. كان المكان يحتوي على الصلبان وبعض الأواني القديمة والملابس التي جلبها البعض كنذور طالبين الشفاء للمرضى. وبحسب بعض المعلومات إن زيارة هذه المغارة كانت بهدف شفاء المجانين وكل من يعاني من اختلال كما يعتقد البعض.

خرجنا من المغارة لنصل الى مكان متعدد الأبواب وعلى كل منها رفعت لوحة تعريفية نقش عليها اسمه وتاريخ افتتاحه وماذا يحتوي. وصلنا الى باب كان مدخلاً لمتحف. نصحنا الأب فادي ضو بعدم الدخول إليه في هذه اللحظة لأنه سيأخذ منا وقتا كثيرًا، ووعدنا بالعودة إليه بعد الانتهاء من زيارة الأب الحبيس يوحنا الخوند.

دخلنا غرفة مشيدة من الحجر تحتوي على نوافذ صغيرة في وسطها مقاعد خشبية تشبه أماكن الجلوس في الكنائس، في نهايتها جلس رجل مسن بردائه الرهباني الأسود واضعًا نظارات طبية، رسمت التجاعيد على وجهه رموزًا تعود لقصص سنين كثيرة لا يعلمها إلا صاحبها، ذلك الوجه المجعد كان مزيّنا بابتسامة لم تكن سطحية بل عميقة متفائلة مطمئنة. تعرف إلينا جميعا وبدأ يحدثنا عن قصص عديدة مر بها في مراحل الطفولة والشباب. حدثنا عن أخيه قيصر الذي كان يحبه ويخافه كثيرا لأنه الأخ الأكبر وكان يعمل ضابطا في الجيش. حدثنا عن أبويه واستذكر كيف كانت أوقات العمل والدراسة والصلاة للعائلة من أهم عوامل النجاح لكل أسرة أينما كانت. تكلم عن الحب والصلاة والاحترام فقال لنصلي مع من نحب حتى وإن كان بعيدا، لنصلي نحن في الشرق مع من نحب حتى وإن كان في الغرب فالصلاة توحّد القلوب وتزيد الاحترام. كان حديثه شيّقا يحمل الكثير من العبر والحكم ولا يخلو من المرح والبهجة. كنا نصغي الى كلامه فرحين به، ومنهم من كان يحمل مشاعر مختلطة لم يفسرها إلا ان دموعه كشفت كل الأسرار.

تزامن موعد زيارتنا في يوم إعلان تحرير الموصل. زاد من منسوب أسئلة الزملاء عن الوضع داخل الموصل وتاريخها. وبعد ان انتهت أسئلة زملائي وحديثهم الجميل مع الأب الحبيس يوحنا الخوند، كان في داخلي سؤال وطلب. عرّفت بنفسي وطرحت سؤالي على الأب الحبيس وتذكرت العنب الأسود الذي كثيرا ما أشاهده في عيد انتقال السيدة مريم العذراء في الكنائس حين كنت أشارك صديقاتي الاحتفال بهذه المناسبة وقد فسر لي ذلك، وطلبت منه الدعاء للعراق الذي أنهكته الحروب، فحدثني عن وطني وتاريخه وتراثه وحضاراته وتمنى للعراق الأمن والسلام الأبدي.

أنهينا اللقاء وكان لا بد ومن الضروري ان نلتقط معه صورة جماعية لتوثيق هذه اللحظة في محطات حياتنا. كان هنالك جمهور كبير. وبدأ الكثير من الزوّار يقتربون منه لأخذ بعض الصور وطلب الدعاء لهم. وعلى رغم الحشود حظيت بالتقاط صورة بمفردي معه، وفي هذه الأثناء أمسك الأب يوحنا الخوند يدي بشدة وابتسم وكأنه كان يؤازرني ويمنحني أملا بشيء ما، كان هذا الشعور الذي راودني تلك اللحظة. لقد رأيت تجاعيد وجهه عن قرب وبريق عينيه جيدا. وعلى هذا المشهد اختتمت زيارتنا للأب الحبيس ذلك الناسك الذي يحمل ألف عبرة وعبرة .

غادرنا دير مار أنطونيوس قزحيا الذي يعتبر من أعرق وأقدم الأديرة في لبنان ويمثل مزارا للكثيرين وفيه تم تدوين الحرف الأول في أول مطبعة في الشرق الأوسط. غادرنا مكانا واسعا مزنّرًا بالتلال والمحابس والأديرة. غادرنا وكل منا يحمل جعبة ملونة. كانت جعبتي مليئة بثراء المعاني والحكم متغلغلة بها كلمات الإنسانية والإيمان. هذا المكان فسر الكثير واحتوى الأكثر وروى لي سطور التاريخ الجميل الذي يستحق ان يدوَّن ويدرّس بعيدا عن الإرهاب والدخان. السرد يطول والزيارة أطول وكل ما رأيته كان أكثر جمالا مما توقعت وأثرى معنى من كل ما كتبت.

ما رأيت كان أجمل فلم أستطع وصفه.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل