#dfp #adsense

لو عاد رفيق الحريري···

حجم الخط

هي ذكرى وطنية أهمّ من أي حدث سياسي، وأكبر من أية محاولة إستغلال سياسي، وأقوى من أي خطاب سياسي··،
هي ذكرى لا تعني طائفة معيّنة، ولا تياراً محدداً، ولا حزباً واحداً، بقدر ما هي مناسبة تهمّ كل اللبنانيين، على اختلاف أحزابهم وطوائفهم ومناطقهم··،

هي ذكرى لتجديد العهد بالتزام المبادئ والقواعد التي قامت عليها الصيغة اللبنانية، وأساسها العدالة والمساواة، الإنفتاح والحوار، المحبة والتسامح، والتي أنتجت تجربة فريدة من نوعها في المنطقة، رسمت ألوانها الزاهية بخطوط الحرية والديمقراطية، وتحمّل الأثمان الباهظة لصدّ الضغوطات والتدخلات التي تحاول خنق هذه التجربة، وتقويض صيغة العيش المشترك بين اللبنانيين·

14 شباط 2005، كان يوماً أسود في تاريخ الوطن الجريح، لأن مخطط الإجرام لم يغتل رفيق الحريري رائد المسيرة الوطنية في السياسة والديبلوماسية والإنماء والإعمار، بل اغتال حلم اللبنانيين في وطن يعرف كيف يصون معادلاته الدقيقة التي أرسى قواعدها الرئيس الشهيد في اتفاق الطائف·

14 شباط يوم أسود في تاريخ الوطن الصغير لأن زلزال اغتيال رفيق الحريري ضرب أماني اللبنانيين في إقامة الدولة المركزية القوية والقادرة والعادلة، وأدى إلى فكفكة وصال المؤسسات الدستورية والإدارات العامة، بعدما غيّبت الخلافات السياسية وحدة القرار الرسمي في التعامل مع ارتدادات الزلزال السياسي المدمر!·

* * *
وبقدر ما كانت الضربة الموجعة، بقدر ما كانت انتفاضة اللبنانيين قوية، كعادة هذا الشعب الطيب في التضامن والتلاحم بمواجهة الملمات والأزمات والكوارث الكبرى، وكانت حركة اللبنانيين مدهشة بمدلولاتها الوطنية، ومواقفها الموحدة، عبر الزحف غير الطبيعي الذي شهده ضريح الرئيس الشهيد، الذي تحول بسرعة إلى مزار وطني، تحج إليه وفود القوى السياسية، على اختلاف ألوانها وأهدافها، وتزوره الشخصيات الأجنبية الرسمية، وتقف امامه الراهبة إلى جانب الشيخ ويتمتم كل منهما بصلاته في إيمان وخشوع·

ولكن توحد اللبنانيين حول المصيبة الجلل لم يدم طويلاً، وسرعان ما أدّت الخلافات السياسية المؤججة بتدخلات خارجية الى إعادة تقسيم اللبنانيين بين جبهتي 8 و14 آذار، من خلال تظاهرات وتجمعات الساحات في قلب بيروت التي ما زالت تبكي مرتين: الأولى تفتقد فيها رجل الإعمار والإنماء الذي أعاد الحياة إلى قلب العاصمة وشرايينها، والزعيم الذي وحّد المدينة سياسياً وانتخابياً وإنمائياً، وأعاد جمع ما فرقته سنوات الحروب العبثية، وتبكي بيروت في الثانية على الفرص التي اضاعها اللبنانيون، في الاعوام القليلة الماضية، في عدم تعزيز بناء الدولة وتصليب عود مؤسساتها، حتى تبقى الملاذ الاول والاخير للجميع، بعدما ضربت الانقسامات صفوفهم وفرقت بينهم الصراعات المحلية منها والخارجية!

* * *
اليوم، ومع اجواء المصالحات المزدهرة عربياً ولبنانياً، تلوح في الافق فرصة لعودة اللقاء بيد اللبنانيين في ذكرى اغتيال شهيد الوطن·

ولو عاد رفيق الحريري الى الحياة مرة اخرى، لكان وضع الوحدة الوطنية قبل كل ما عداها من أولويات اخرى، بما فيها شعارات السيادة والاستقلال من جهة، والممانعة والمقاومة من جهة اخرى·

لقد تعلم اللبنانيون، ولو بعد تجارب قاسية ومريرة، ان لا سيادة ولا استقلال لوطن يبقى الشعب فيه منقسماً الى مجموعة من القبائل المتناحرة تحمل هويات طوائف ومذاهب·

وادرك اللبنانيون، بعد معاناة مأساوية ومُرّة، ان لا ممانعة ولا مقاومة تحقق اهدافها الكبرى، اذا لم تستند على قاعدة شعبية صلبة، واذا لم تحمِ ظهرها بوحدة وطنية قوية ومتماسكة·

ولا نغالي اذا قلنا ان رفيق الحريري سبق الجميع عندما جمع في عقله وفي نهجه متطلبات التزاوج والتعايش بين الدولة والمقاومة، وبقي حريصاً على الحفاظ على قنوات الحوار والتفاعل بينهما، حفاظاً على تماسك الجبهة الداخلية، وعدم انحراف السلاح عن وجهته الاساسية نحو العدو الغاصب·

* * *

لن ندخل في متاهات توصيف أوضاع جبهتي 8 و14 آذار· فلكل جبهة منهما مشاكلها واشكالاتها التي تزيد من تضعضع تحالفاتها·

ولكن ما يهم الأكثرية الساحقة من اللبنانيين هو ان تبقى ذكرى شهيد الوطن مناسبة وطنية جامعة، تجسد المبادئ والاهداف التي جاهد لتحقيقها، ومضحياً في سبيلها بأعز ما يملك·

ما يهم اللبنانيين أكثر وأكثر، ان تكون ذكرى رفيق الحريري مناسبة لجمع رموز من 14 و8 آذار تحت خيمة الوطن، وعلى أرض الوحدة الوطنية، ليتأكدوا فعلاً، وليس فقط قولاً، ان مرحلة الانقسامات طويت، وان ساعة الصراعات ومحاولات التفرد والهيمنة قد ولّت الى غير رجعة، وان لا خيار يعلو فوق خيار الدولة القوية والعادلة والقادرة·· التي نذر رفيق الحريري نفسه لاقامتها رغم كل التحديات التي جابهته·

فكان ان سقط شهيد الخيار، الحلم الذي ما زال ينتظره كل اللبنانيين!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل