مع ان الموارنة ينتسبون بالاسم والعقيدة الى القديس مارون – ومارون هو تصغير لكلمة مارو السريانية وتعني السيد او المولى، والتصغير هنا هو للتحبب على ما جاء في كتاب «لبنان في التاريخ» لفيليب حتي – الا ان يوحنا مارون المولود في قرية سروم بالقرب من انطاكية، والذي سيم اسقفاً على بلاد البترون حوالى 676 هو اول بطريرك للطائفة المارونية في لبنان وسوريا.
وفي أيامه بدأت تبرز مقوّمات وخصائص القومية التي حوّلت الشعب الماروني الى امّة، وبعد انتصاره على جيش الامبراطور يوستنيان الثاني وهزمه في اميون، اكتملت خصائص هذه الامّة الصغيرة بسيادتها على الارض وباستقلاليتها وبممارسة شعائرها وطقوسها بحرية مطلقة.
هذه العودة السريعة جداً الى بداية تكوين الطائفة المارونية هي للاشارة الى ان القديس مارون الراهب المتقشف، الذي يقال انه توفي في حوالى 410 في منطقة جبلية وعرة كان يتنسّك فيها وتقع بين قورش وانطاكية، انما هو الاب الروحي لالاف المؤمنين من تلاميذه ومتابعي تعاليمه وسيرته الذين اضطروا بعد وفاته الى الهجرة باتجاه لبنان بعد المذابح التي ارتكبها اليعاقبة بحقهم لاسباب عقائدية ليس الآن مجال الحديث عنها، وانتشروا في شمال لبنان الذي كان يقطنه نصارى على ما جاء في كتاب «تسريح الابصار» للمؤرخ لامنس، «اما الذي جعل من اتباع القديس مارون امّة»، فهو البطريرك يوحنا مارون الذي استطاع بحكمته ودهائه وايمانه وشجاعته، ان يرّد عن الشعب الماروني «خليفة المسلمين باليد الواحدة وامبراطور الروم بالاخرى» – فيليب حتي – لبنان في التاريخ.
الموارنة ليسوا المسيحيين الاقدم على ارض لبنان، فالمسيحية دخلت لبنان وسوريا بعد فترة قصيرة من صلب يسوع المسيح وقيامته، ورحلات تلاميذ يسوع التبشيرية، وخصوصاً بولس الرسول، كانت في معظمها تنطلق من صور وصيدا، وفي القرن الثالث تحوّلت بيروت الى محطة للرسل والمبشّرين، وعلى ايديهم تنصّر العديد من الوثنيين الرومان واللبنانيين، ولكن هجرة الموارنة بكثافة الى لبنان وتمركزهم في جبال شمال لبنان ومناطقه الوعرة، وعيشهم حياة متقشفة صعبة واضطرارهم الى الدفاع عن انفسهم، جعلت منهم شعباً شديد المراس مهاب الجانب، خصوصاً عند انتقالهم الى مناطق اخرى، الا انهم حيثما حلّوا كانوا ينقلون معهم عاداتهم وتقاليدهم وتعاليم قديسهم مارون، وكلما تكاثروا او ضاقت بهم سبل العيش، كانوا ينتشرون في المناطق اللبنانية، وتعايشوا بسلام مع مختلف المذاهب المسيحية الموجودة ومع المذاهب الاسلامية التي دخلت لبنان مع الفتوحات الاسلامية وبعدها، وخصوصا منهم الدروز والشيعة الذين لجأوا بدورهم الى لبنان هرباً من اضطهادهم على يد اهل السنّة.
كل هذا الكلام للقول الى ضعيفي الإيمان لدى الموارنة والى المشككين لدى الطوائف الاخرى، بأن تاريخ الموارنة منذ ايام قديسهم مارون، مرورا ببطريركهم البطل يوحنا مارون وسائر البطاركة، وصولا الى البطريرك نصرالله صفير، هو تاريخ مشرّف زاخر بمعاني البطولة والاستشهاد، وحب الله والحرية والسيادة والكرامة والعطاء، واحترام الاخر والعيش معه، والخروج سياسيا من الطائفة الى الدولة، ولذلك كرّم الله هذه الطائفة بالعديد من القديسين الابرار والرجالات الاخيار الذين اغنوا لبنان والعرب والعالم كله، بعلمهم وفنّهم وعقلهم ووطنيتهم فاستحقوا التكريم اينما حلّوا، وكانوا خير رسل لتعاليم قديسيهم وكنيستهم، واذا كانت خلافات بعض قادتهم في العقود الماضية، وخصوصا في العقدين الاخيرين قد ادمت الطائفة المارونية وأوجعتها وأضعفتها، فلأن الضعف البشري عند بعضهم، وحب الاستئثار والأنانية، قد تغلبت على كل شيء جميل ونظيف وطاهر وصادق وانساني في هذه الطائفة، وهي من دون شك حالة مرضية موقتة لا مكان لها في قاموس الموارنة ولا في وجدانهم وتاريخهم.
في ذكرى القديس مارون، نرفع الى كنيستنا المارونية الانطاكية المشرقية والى سيدها البطريرك صفير، واحبارها وكهنتها خضوعنا وتسليمنا بمرجعيتها الدينية والروحية والزمنية والوطنية، ونتمنى على بكركي وريثة انطاكية وافاميه وسمار جبيل وكفرحي ودير قنّوبين ان تضع خطة سريعة تعيد الى الموارنة وحدتهم وتضامنهم وصلابتهم وألقهم واشعاعهم في لبنان وبلاد الانتشار، ليصبح بإمكانهم كلهم ان يفاخروا بأنهم ابناء مارون وابناء يوحنا مارون.