#adsense

يا حرية يا زهرة الإعلام ما تنطحي الصخر!!!… الرياشي: هي معركة وسنخوضها

حجم الخط

 

كتبت فيرا بو منصف في مجلّة “المسيرة” – العدد 1646:

لوهلة، لزمن قصير، للحظة انتصار كبير عشناها لما خرج الاحتلال السوري من بلادنا، اعتقدنا أننا لن نواجه بعد اليوم جيوش الظلام والجهل حين تشن علينا حروب الفكر، اعتقدنا ان التحرر من جيوش الاحتلال يحرر العقول قبل أي شيء، وإذ بنا وفي عز زمن الانفتاح، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام المفتوح على دنيا صارت قرية صغيرة بكل ما للكلمة من معنى، نعود لنحمل سلاح الكلمة والقانون ونذهب الى مواجهة شرسة مع ما يسمى “الدفاع عن الحريات”! دخلكن بعدنا بزمن الاحتلال؟!!…

 

ثمة عجقة مخيفة على أبواب التخوين والتخوين المضاد! ثمة صحافيون بعد يذهبون الى المحاكم لأنهم حرروا فكرهم من عقدة السلطة وأزلامها، وعقدة الخوف التاريخية المستحكمة بهؤلاء ضد من يحملون القلم، أو يعبرون خلف شاشة ويحكون الحقيقة كما هي من دون زيف أو دجل. ثمة خوف بعد في لبنان من الحقيقة، لأن لبنان الذي ما زال حتى اللحظة يضطهد عبر الكثير من سياسييه هذه الفضيلة، ما زال يلاحق بعض من ينطق بها أحيانا، لبنان الفكر والثقافة والعلوم ومرسح الحريات وقبلة العرب والشرق، ما زال بعض من فيه يضطهد أفلاما ومخرجين ويشن حروبا ظلامية على مبدعين لبنانيين وعالميين، لمجرّد ان أفلام هؤلاء لا تتناسب وأهواءه وسواد ليله وضيق آفاقه، والأهم مشاريعه السياسية الخارجية! هي محاولة شرسة إذن للتطبيع تمهيدا للتطويع، هل ينجحون؟!!!

سنتان، سنتان بقيت الصحافية حنين غدار في لبنان، قبل أن يصدر حكم غيابي وغير مسبوق بحقها من المحكمة العسكرية، يقضي بسجنها لستة أشهر على خلفية تصريحات لها حول الجيش اللبناني على “الفايسبوك”، إذ كتبت في خلال مشاركتها العام 2014  بندوة في واشنطن  ان “الجيش اللبناني يميّز بين إرهاب سنّي وإرهاب شيعي، ويتسامح مع الأخير”. طبعًا قد لا نوافق على كلام مماثل، لكن هل رأي مماثل يستحق أن يسجن إعلامي بسببه؟! وأساسا كيف تنبّهت الدولة اللبنانية فجأة، او بالأحرى، كيف تنبّه الممانعون في هذه الدولة، وبعد سبات نحو ثلاث سنوات، للاقتصاص من الإعلامية “الشيعية” الطائفة لكن المناهضة لسياسة وأسلوب “حزب الله” في لبنان؟!! والأكثر غرابة بعد ان الحكم سبق بأيام قليلة الذكرى العاشرة لأحداث مار مخايل المشؤومة، التي وقعت في 27 كانون الثاني العام 2008 وأطلق يومها مسلحون النار على آليات للجيش اللبناني لأنها دخلت الى مناطق “محظورة” عليها، أي الضاحية الجنوبية، ما اضطر الجيش للرد على مصادر النيران، وأحيل عناصره الى المحكمة العسكرية وأدينوا، يومذاك كانت الإدانة موجهة مباشرة الى هيبة الجيش اللبناني وكرامته والى منطق الدولة بكامله، “بينما لم تحرّك مثقال ذرّة “الهيبة”، هي “الهيبة” نفسها التي ادّعت بموجبها النيابة العامة ضد الصحافية حنين غدّار، بحسب ما كتب أحد الصحافيين الزملاء في معرض حملة الدعم التي اشتعلت على مواقع التواصل الاجتماعي، لأجل حنين وتنديدا بالحكم الصادر في حقها.

“حكيت بمحاضرة سنة الـ 2014 ولهلق لطلع الحكم. بدن يجروني ست أشهر عالحبس قال. محكمة عسكرية بتحكم لصحافيين بالحبس والمجرمين سارحين البلد… معركة الحريات مستمرة”. كتبت حنين على صفحتها تعليقًا على الحكم، والسؤال أتستحق حكما عسكريا مماثلا؟ “حتى لو كانت حنين مخالفة فهي لا تستأهل الذهاب الى المحكمة العسكرية وإصدار حكم مماثل بحقها، والغريب أنها وبعدما كانت بقيت في البلد لسنتين وما ان خرجت للمشاركة بإحدى الندوات أصدروا حكما غيابيا، شي غريب عجيب” يقول الصحافي نبيل بو منصف، الذي اعتبر ان ما يحصل اليوم مع الإعلاميين تحديدا يذكّر بحقبة الاحتلال السوري “ما حدن كان بيتصوّر إنو ما يحصل الآن هو على عهد الرئيس ميشال عون لأنه هو نفسه عانى مع الناشطين في التيار كما عانى القواتيون أبشع أنواع الاضطهاد، وكان شبابه يساقون الى السجون فماذا يجري اليوم؟ الناس لا يجدون تفسيرا لذلك وهم مستاؤون، وهذا أمر غير مبرر على الإطلاق ولا داعي له لأنه يسيء للعهد أولا وآخرا”. ويعتبر بو منصف ان ما حصل أيضا مع الإعلامي مارسيل غانم، الذي أحيل الى المحاكمة على خلفية حلقة له في “كلام الناس”، هو الأسوأ بعد، إذ إنها المرة الأولى التي تحصل إحالة قضائية تتدخل بأسلوب عمل الصحافي أو بأسلوب المهنة بشكل عام “لم تقتصر تهمة غانم على المساس بهيبة رئيس الجمهورية إنما اتهم عن ضيوفه بذلك، وكان الأجدر بالقضاء هنا ان يوجه التهمة الى الضيوف العرب الذين تعرّضوا بكلامهم لرئيس الجمهورية، ونحن طبعا لا نقبل ان يتعرض أحد لرموز البلاد ولا يحق لهم أساسا بذلك، ولكن كان يجدر الادعاء عليهم وليس على الزميل مارسيل، وهذا أمر آخر عجيب غريب وغير مقبول يحصل في لبنان، ولا يمكن توصيفه بأي معيار قانوني أو سياسي، ولم يحصل سابقًا ويصب في خانة التعرض المباشر للحريات الإعلامية في لبنان” يقول بو منصف.

لم يقبل مارسيل غانم الانصياع مباشرة لقرار القاضية حين طلبت منه التوجه الى التحقيق، عاند ليس لأنه فوق القانون، لكن الإهانة بدت كأنها أكبر من ان يستوعبها إعلامي عتيق يعرف تماما حدود اللعبة الإعلامية، ونادرا ما أخطأ في هذا المجال. حوّل مارسيل غانم قضيته الى قضية رأي عام، ونجح في تجييش الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي، ليس محبة بالشخص تحديدا ولكن دعما لتلك القيمة الإنسانية الفائقة، الحرية. “لا نقبل بأن يوضع أي حد لحرية التعبير وتحت أي عنوان طالما هي حرية مسؤولة، ثمة قوانين في البلاد فلتطبق على الجميع وليس استنسابيا كما يحصل الآن وبحسب المزاج، يا في حرية يا ما في” يقول رئيس نادي الصحافة الإعلامي بسام أبو زيد، الذي اعتبر ان العهود كافة شهدت على ممارسات ضد الصحافيين لكن في المقابل “ثمة الكثير من الحريات ولا يمكننا القول إن في لبنان سياسة كمّ الأفواه، هذا مناف للواقع، لأن في لبنان نحكي عن الكثير من المواضيع التي لا يجرؤ أحد في بلدان مجاورة على التعرّض لها، لكن ومع ذلك لا أفهم لماذا أحيانا يتعرّض إعلاميون للملاحقة، وبتطلع براسن؟ أستغرب هذا كثيرا خصوصا عندما يُحالون استنسابيا الى القضاء، الإحالة هنا يجب ان تكون لتحقيق العدالة للجميع وليس للانتقام أو الاقتصاص من رأي أو فكر معين”. منذ انطلاقته، أصدر نادي الصحافة الكثير من البيانات الداعمة للزملاء ولحرية الإعلام وحرية الفكر بشكل عام، وفي هذا الإطار انتقد أبو زيد الهجمة المبرمجة مثلا على فيلم المخرج اليهودي الأميركي ستيفن سبيلبرغ، وما كان تعرض له سابقا المخرج اللبناني العالمي زياد الدويري “كل إنسان حر في مزاجه، وله ان يحضر ما يهوى من الأفلام، المنع هنا مهزلة حقيقية لأن وأساسا لا يمكن أن يحصل لأن ممكن حضوره عبر “اليوتيوب” أو الاقراص المدمجة. وبدي إسالك سؤال، في شي صحافي بلبنان لا يدخل المواقع الإلكترونية الإسرائيلية لمعرفة ما يكتبون مثلا أو لمعرفة أخبار العدو؟ أليست هذه المواقع أخطر بكثير من مخرج يهودي الأصل تبرع لإسرائيل؟ حقيقة شي بيضحّك بيبكي أحيانا بهالبلد”.

منذ أيلول الماضي، وحين عرض المخرج اللبناني الفرنسي زياد الدويري، فيلمه “القضية رقم 23” في الصالات اللبنانية، تعرّض الرجل لأشرس حملة مناهضة له ولفيلمه. نبش الممانعون القبور واستخرجوا له تهمة التصوير في القدس منذ سنوات، وبدأت الدعوات لمقاطعة فيلمه، وكل ذلك لأن الفيلم اُطلق في ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل، ولأن المخرج كان صرّح قبل ذلك أنه يحترم سمير جعجع والمقاومة اللبنانية، هو القادم أساسا من خلفية كانت مختلفة تمامًا، وأكثر بعد لأن فيلم الدويري يتحدث فيما يتحدث ولأول مرة في فيلم لبناني، عن مجزرة الدامور ويدين بشكل مباشر السوريين والفصائل الفلسطينية المسلحة ولبنانيين متعاملين معهم. إذن فلنهاجمه قال الممانعون، الذين من دون دراية منهم، صنعوا للفيلم دعاية لا تقارب. “ما عملت فيلم حتى دين حدن إنما فيلم بيصوّر واقع لبنان حقيقي من خلال شخص ينتمي لـ””القوات اللبنانية” وآخر فلسطيني” قال الدويري في معرض الدفاع عن فيلمه، الذي حطّم الأرقام القياسية في الصالات اللبنانية، وها هو يرشح كأول فيلم لبناني لجائزة الأوسكار عن فئة الفيلم الأجنبي، “أنا كتير مبسوط للبنان وإلنا جميعا وبعتبر إنو الفيلم نال جائزة الأوسكار من الآن حتى لو لم ننل الجائزة، لبنان ربح” قال الدويري بسعادة فائقة، أليس هذا ردًا مدويًا على هؤلاء الممانعين المفترضين؟!

لم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ ها هو فجأة السيد حسن نصرالله شخصيًا، يشن هجومًا حادًا على المخرج ستيفن سبيلبرغ، بحجة دعمه للإسرائيليين في حرب تموز العام 2006!!! علما ان الصالات اللبنانية ومذذاك التاريخ حتى اليوم شهدت على حضور عشرات الأفلام للمخرج المذكور ولم يتحرك الممانعون، فماذا حصل مع فيلم the post  تحديدا لتُشن عليه هاشتاغ “لن يُعرض”، ومذ تلك اللحظة الممانعة والصالات تشهد إقبالا كبيرا كبيرا، من جهة تحديا لنصرالله من قبل جمهور حر ما اعتاد تلقي الأفكار المؤدلجة المبرمجة، ودعما لصورة لبنان الثقافي الحر من جهة أخرى. فماذا يجري في هذه  الأيام في لبنان فعلا؟!

“ثمة صراع كبير وحقيقي في لبنان بين نموذجين، الأول يسعى لتغيير تفكير ونمط وأسلوب الحياة المتنوّع عند اللبنانيين، ونموذج آخر يسعى للتنوّع والانفتاح ولحماية الناس والحرية وصونها من النموذج الأول، ليبقى لبنان منارة الثقافة والفكر” يجيب وزير الإعلام ملحم الرياشي، الذي يخوض بدوره معركة إعلامية في قلب وزارته، للتوصل الى الموافقة على إقرار قانون إعلامي عصري أعده بدقة متناهية، يصون الحريات في لبنان ويحفظ كرامة الوطن ويحمي الجسم الإعلامي بشكل عام، “هي معركة ونحن مصرّون لخوضها كل يوم وفي كل مكان سواء عبر الوزارة أو من أي مكان آخر لحماية الحرية في لبنان، ولبنان ما كان موجودا بالأساس لولا هذه القيمة الإنسانية الكبيرة أي الحرية، وما منقبل تغييرها بأي شكل من الأشكال ومهما كان السبب والظروف” يقول الرياشي الذي وبهدوء تام يدخل صخب معركة الحريات ولا يخشى مواجهات من هنا أو هناك، حسبه الحقيقة، حسبه الحفاظ على أكبر ميزة تتوّج لبنان، الحرية والثقافة والانفتاح، وعندما تطلب تعليقا على الحرب التي تشن على الإعلاميين أو على الأفلام والمبدعين يبتسم “فيلم من هون، محاكمة من هونيك، ما رح نقبل الرضوخ وسنحمي بكل ما أوتينا من قوة هالحرية، ورح أعمل المستحيل وكل واجباتي بالوزارة وحتى آخر لحظة لحماية الحريات في لبنان، لأن قضيتنا بالأساس هي الإنسان وين ما كان، وبدّي إحمي الحريات خصوصا عند من يخالفنا بالرأي، هؤلاء تحديدا بدّي إحميهن  لأن الحرية للكل”.

نخاف إذا اختفت الأصوات المندّدة الرافضة ان تنتهي الحرية في لبنان! لكن هل حصل وحصل؟! أبدا، مستحيل، وفي غمر غمر الاحتلال لم نفعلها فهل نفعلها الآن وفي فورة ما يسمى بالتواصل الاجتماعي؟! قال مرة المفكر الإنكليزي أوسكار وايلد “في أميركا يحكم الرئيس لأربع سنوات، بينما تحكم الصحافة إلى الأبد” وهذا ما يحصل عندهم الآن، وما يحصل في لبنان على رغم ما يبدو من ان حملات القمع ستتواصل، وكما قال الصحافي نبيل بو منصف “ما بيقدروا يكملوا بهالطريقة ومش من مصلحة أحد في لبنان قمع الحريات وإلا بيكونوا عم ينطحوا الصخر”…. عم ينطحوا الصخر بلبنان!!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل