#adsense

الغاء الطائفية السياسية لحساب سياسة مذهب

حجم الخط

الغاء الطائفية السياسية لحساب سياسة مذهب
المحامي جورج ابي صعب

عام 1998 وعندما اقر النواب اللبنانيون وثيقة الوفاق الوطني المسماة " وثيقة الطائف " والتي على اساسها تم تعديل الدستور وانتقلنا بموجب هذا التعديل الى الجمهورية الثالثة، لم يكن في لبنان من فريق سياسي او حزب او تيار حزبي يختزل طائفة بكاملها، كما اصبح لدينا في لبنان اليوم مع ظاهرة اختزال الاحزاب والتيارات السياسية للطوائف والمذاهب خاصة من طرف فريق الشيعة اللبنانيين اليوم، الذين باتوا الفريق المسلح الوحيد على الارض، بعد ان سلمت الاحزاب والقوى اللبنانية الاخرى المسلمة والمسيحية، سلاحها الى الدولة اللبنانية وحلت ميليشياتها وازرعتها العسكرية، مع اقرار اتفاق الطائف ودخول لبنان مرحلة السلم الاهلي .

يومذاك لم يكن في لبنان من تفرد في اتخاذ قرارات الحرب والسلم بيد طائفة معينة ومذهب معين ، بل كان دائما قرار الحرب والسلم خاضع للتجاذبات الداخلية والخارجية، وبالتالي للتوافق اللبناني اللبناني ، هذا اذا كان انطلاق الحرب من لبنان وبمبادرة لبنانية. واكثر من ذلك ، عند اقرار وثيقة الطائف لم يكن لبنان ساحة صراع عقائد وايديولوجي مذهبي، في ظل مبدأ تصدير ثورة ايرانية شيعية وتنفيذ حلم الهلال الشيعي، انطلاقا من الدولة الايرانية الصفوية ومبدأ ولاية الفقيه، كما ان لبنان لم يكن باسره، كما هو اليوم، اسير لا بل رهينة السيطرة الصفوية على قرار البلاد والشعب وعلى قدرات الدولة والمؤسسات الرسمية ،وان بصورة غير مباشرة يوما بعد يوم ، اذ لا يمكن ان يخفى على احد ان الوضع السياسي الداخلي في لبنان محكوم بالدرجة الاولى – شئنا ام ابينا – بسيطرة حزب الله على القرار الرسمي اللبناني – بدليل مواقف رئيس الجمهورية التي تتناغم الى حد التطابق والتبني مع مواقف المقاومة حتى تجاه المبعوثين الدوليين والاميركيين ، في وقت يسافر رئيس الجمهورية الى واشنطن لطلب تسليح الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية .

عام 1998 وعندما اقرّ اللبنانيون في الطائف وثيقة الوفاق الوطني، لم يكن في لبنان وقتها 7 ايار، يوم تحويل سلاح المقاومة الى الداخل وتصويبه على صدور وممتلكات وارواح اللبنانيين ، فضلا عن ان تطبيق الطائف كان يفترض البت بمواضيع بنوده بعد سنتين كحد اقصى على اقراره ، و استمر الى اليوم بتنفيذ مجتزأ افاد فرقاء على حساب اخرين .

نقول هذا الكلام لنلفت الجميع الى حقائق، يبدو ان البعض يتغاضى عنها محاولا رمي الكرة في ملعب الاخرين، باتهامهم بالعرقلة ورفض تنفيذ الطائف وتطبيق الدستور ، وهم اقدموا على طرح الغاء الطائفية السياسية في ظرف، اكثر ما يكون فيه لبنان منغمسا في طائفيته لا بل مذهبيته السياسية، وعلى رأس من يمارسها ويعمقها قولا وفعلا من يطرح الغاءها او تشكيل الهيئة العليا المولجة بالغاءها .

في اثناء الصراع السياسي الذي قسم اللبنانيين بين عامي 2005 و 2009، كانت المعارضة انذاك وعلى راسها حزب الله والرئيس بري تتمسك بالفقرة (ي) من مقدمة الدستور لتبطل وتحبط محاولات الحكومة الاستقلالية الاولى، برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة النهوض بالبلاد وتحريرها من رواسب الوصاية وزمن النظام الامني ، يومها انتفضت المعارضة انذاك وتمسكت بالفقرة (ي) لاظهار فريق الاكثرية في حينه على انه عدو الطائف والدستور وصيغة العيش المشترك، واتهمت الاكثرية بالتفرد بحكم البلاد والاستئثار و الى ما هنالك …

واليوم وبعد نيف وسنة على معادلة اتفاق الدوحة الذي كان اتفاق " الثورة المضادة "للمعارضة بقفازات حريرية ، لان منذ الدوحة والاكثرية في لبنان حتى بعد تجديد التفويض الشعبي الكبير لها ، لم تستطع ان تمارس اكثريتها وبالتالي بدأ العد التراجعي الكبير من طرفها وازداد التراجع مع ما رتبته وسوف ترتبه اكثر فاكثر ، متطلبات تولي زعيم الاكثرية الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة ، فاذا بنا نجد ان حزب الله ومعه حلفائه يسيطرون بصورة غير مباشرة على مفاصل الحياة السياسية وخاصة الرسمية في البلاد ، و تمكن من تشريع سلاحه في بند من بنود البيان الوزاري لحكومة الحريري الاولى ، وبات ينطلق في نهجه السياسي من زوايا دستورية وشرعية تضاف الى الزوايا المذهبية والدينية من تكليف شرعي وسواه ، من اجل فرض موقفه تارة بالنصائح وتارة بالتهديد المبطن ، وطورا بالتحدي والاستعلاء على الرأي الاخر .

ففي ظل هذا المشهد نتساءل : كيف يمكن الحديث عن الغاء الطائفية السياسية في خضم هذه العوامل اللبنانية والاقليمية المتشابكة ؟
فاذا كنا حاليا وفي ظل دستور " الديمقراطية التوافقية " والعيش المشترك، نسمع حزب الله يقول ان موضوع السلاح بات خارج التداول ، ومنتقدا كل من يتجرأ على اثارته مجددا ومهددا اياه بالفظائع وقلب الطاولة على الجميع، وصولا الى تذكيرنا بمصير الاقباط في مصر والمسيحيين في العراق ، فكيف اذا تخلينا عن المناصفة المسيحية الاسلامية وكرسنا حكم العددية واكثرية السلاح ونظام ولاية الفقيه ؟

من هنا فان الغاء الطائفية السياسية يعني عمليا الغاء طائفية السياسات لصالح سياسة طائفة مهيمنة اليوم بحكم الامر الواقع والسلاح والعددية والدعم السوري – الايراني المستمر والمتصاعد لفئة من اللبنانيين على حساب لبنان دولة وشعبا ومؤسسات ، ما يعكس في جانب من الجوانب، عدم جدية الحكم السوري في انفتاحه – الى الان – على اللبنانيين، وما يشيعه من اجواء تفاؤلية وتسامحية ليست الا لكسب الوقت بانتظار تطورات ملف حليفه الايراني، والاثمان التي طلبتها دمشق في مقابل تغيير نهجها في لبنان ومع المجموعة العربية .

فالغاء الطائفية السياسية سيكرس لا محال في ظل غياب المناصفة المسيحية – الاسلامية، طغيان طائفة لا بل مذهب على اخر.

ففي ظل هذه المعادلات الداخلية غير المتوازنة ، اذا تم تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية ، ولو ان عملها لن ينتهي بين ليلة وضحاها ، الا ان من ناحية الواقع ، الموافقة الان على الهيئة يعني من ضمن ما يعنيه، عدم وجود مانع لدى اي كان في بحث الموضوع في ظل الوضع القائم الحالي غير المتوازن ، ما يعطي المنادين به مستقبلا رصيدا اضافيا يفسر تأييد لنهج وخط السلاح غير الشرعي ، وبالتالي عدم وجود ممانعة يمكن التعويل عليها مستقبلا ان حصل الالغاء فجأة، او تم حرق مراحل لمباغتة الرأي العام اللبناني من دون وجود اي ضوابط او قواعد للعمل على الالغاء ، خاصة في ظل استمرار الفوضى الميلشياوية والسلاح الفلسطيني المنفلت خارج المخيمات .

لذلك فان الغاء الطائفية السياسية او المبادرة الى مجرد طرح الموضوع في ظل الظروف الحالية، هو تحد سافر للاستقرار اللبناني الداخلي يتحمل طارحوه مسؤولية الامعان في فرضه والسير فيه، لان التجارب اللبنانية عبر التاريخ اثبتت بشكل قاطع ان اي صيغة تفرض فرضا على اللبنانيين، لا تستقر ولا تلبث ان تنفجر وتفجر الوضع اللبناني والاقليمي في ان .

فالغاء الطائفية السياسية هو في الحقيقة الغاء سياسات الطوائف والمذاهب لصالح سياسة طائفة، لا بل مذهب واحد هو مذهب الشيعة المختزلين اليوم في لبنان، بحزب الله وحليفه الرئيس بري .

فلبنان اليوم وبفضل سياسات حزب الله والرئيس بري، اكثر ما يكون بحاجة الى طائفية سياسية تحمي المذاهب والطوائف من خوفها على المصير الذي فرضه سلاح حزبهم ،واسقاطهم منطق الدولة القوية القادرة الضامنة للجميع ولحقوق الطوائف والمذاهب .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل