

.jpg)


كتب فادي عيد في “المسيرة” – العدد 1647:
أزمة بري ـ باسيل:
إساءة ولا اعتذار ولا مسامحة
الاحتكام الى الشارع خطر في كل الاتجاهات
أشعل مقطع الفيديو الذي انتشر مطلع الأسبوع ووصف فيه وزير الخارجية جبران باسيل رئيس مجلس النواب نبيه بري بـ«البلطجي»، ما يشبه الحرب ما بين مناصري حركة «أمل» و«التيار الوطني الحر»، بدأت عبر مواقع التواصل الإجتماعي ووصلت إلى الشارع من خلال عمليات قطع طرقات وإحراق الإطارات من قبل مناصري حركة «أمل» الذين وصلوا الى محيط مركز «التيار الوطني» في سنتر «ميرنا الشالوحي» في سن الفيل.
وفي ظل تعنّت طرفي الخلاف وتمسك كل منهما بمواقفه، السؤال المطروح اليوم هو: إلى أين ستتّجه الأمور؟ وهل يهدّد استخدام الشارع الحكومة والمؤسّسات والإستحقاق الإنتخابي المقبل؟
الوزير باسيل أسف لما قاله. ولكن هذا الأسف لم يكن كافيًا. رئيس الجمهورية العماد ميشال عون دعا الى المسامحة على أمل أن يكون البيان الصادر عنه مدخلاً الى حلحلة الوضع. ولكن هذا الأمر لم يحصل.
الى أين يمكن أن تتجه الأمور؟ «المسيرة» حاولت إلقاء الضوء على هذا الوضع المتأزم في هذه الحوارات مع النائب عماد الحوت من «الجماعة الإسلامية»، ومع الدكتور ناجي حايك من «التيار الوطني الحر»، ومع الدكتورة منى فياض. فماذا قالوا؟
الحوت: ما قام به باسيل خطأ كبير يمكن الردّ عليه بالطريقة نفسها
النائب عماد الحوت أكد أن ما حصل يعطي انطباعاً عن تردّي الأداء السياسي في البلد، ويشير إلى ابتعاد هذا الأداء عن الأخلاقيات السياسية، فمن الطبيعي أن تختلف الآراء بين السياسيين، ولكن من غير الطبيعي استخدام أوصاف وتعابير لا تليق بسياسي، فكيف إذا كان هذا السياسي وزيراً للخارجية؟
ولكن في المقابل، أضاف الحوت، وبالنسبة لردّ الفعل الذي حصل في الشارع، فقد وجد أنه يعكس حجم الإحتقان وعمق الإنقسام الطائفي في البلد، ذلك أن الكلام بات يأخذ أبعاداً طائفية، بدلاً من أن يأخذ أبعاداً وطنية. ورأى أن ما قام به الوزير باسيل، هو خطأ كبير جداً، وكان من الممكن أن يتم الردّ عليه بالطريقة ذاتها، أي بالكلام والموقف السياسي، وليس في الشارع، لأن لبنان لم يعد يتحمّل أي توتير، خصوصاً وأنه إذا انفلت الشارع فسيكون من الصعب لملمته.
وقال النائب الحوت: «إن عدم موافقة الوزير باسيل على الإعتذار، هو بمثابة «سقطة» ثانية، لأن السياسي النزيه يعترف بأخطائه عندما يخطئ، وبغض النظر عن الخلاف بين الفريقين، فإنه من غير اللائق أن يرتدي أسلوب التعبير عنه طابعاً غير لائق ولو بالحد الأدنى، ومن بديهيات الأمور أن يعتذر عن الأسلوب، ومن حقه أن لا يعتذر عن الموقف لكي نرتقي بالسياسة اللبنانية إلى مستوى لائق».
الحوت أعرب عن اعتقاده بأن «طبيعة الصراع الحاصل اليوم هي شدّ العصب لدى الناخبين والمناصرين، ولقد طمأن الرئيس نبيه بري المواطنين بأن الإنتخابات النيابية قائمة ولا خوف عليها، بمعنى أنه لن يُجرّ إلى موقع تطيير الإنتخابات». وأمل أن يكون الإصرار على إجراء الإنتخابات موقفاً مشتركاً لدى كل القوى السياسية، لافتاً إلى أن «الوزير باسيل يسعى إلى شدّ العصب الطائفي، وهذا الأمر يتقنه وزير الخارجية لأنه لا يملك برنامجاً يقدّمه للناس، لذلك يذهب لشدّ العصب الطائفي، وهذه منهجية أثبتت فشلها في الإستحقاقات السابقة، ولا يصحّ أن تستخدم مرّة ثانية، لأنها تنعكس سلباً على الجهة التي تستخدمها».
أما بالنسبة لمطالبة باسيل بالإستقالة من الحياة العامة، رأى الحوت أن «الناس وصندوقة الإقتراع يملكان قرار إخراج أي مسؤول من السلطة، وليس من حق أي قوة سياسية أن تقرّر خروج أي مسؤول من منصبه، بل الجمهور هو الذي يقرّر».
حايك: الإعتذار عن الأفعال أهم من الإعتذار عن الأقوال
في السياق نفسه وجد القيادي في «التيار الوطني الحر» الدكتور ناجي حايك أن «ما قام به مناصرو وعناصر حركة «أمل» أمام مركزية «التيار الوطني» في سن الفيل، هو تصرف ميليشياوي وغوغائي، وردّ فعل في الشارع على كلام أطلق في مجلس خاص، وكان من المفروض أنه عندما يتعرّض السياسي لاعتداء كلامي أن يردّ بالأسلوب نفسه، أما اللجوء إلى نقل الخلاف إلى الشارع، وشنّ هجوم مسلّح على مركز «التيار»، فذلك ينمّ عن ثقافة خارجة عن أدبياتنا ونسعى إلى نسيانها». وتمنى الدكتور حايك، أن تتم معالجة الخلافات بالطرق السياسة، مشدّداًعلى الرفض المطلق لأية عنتريات واستعراضات في الشارع.
أما بالنسبة للإعتذار الذي تتم المطالبة به من قبل بعض الأفرقاء التي تدور في فلك حركة «أمل»، فقد أكد الدكتور حايك أن «الوزير باسيل لن يعتذر، وأن بيان «التكتل» حول هذه القضية كان واضحاً في هذا السياق»، مذكّراً بأن الوزير باسيل تحدّث عن الموضوع وأعرب عن أسفه فور تسريب الشريط، ولكنه لن يعتذر».
وعن وجود محاولات لإعادة ترطيب الأجواء بين «التيار» و«الحركة»، أشار إلى أن «المعالجات جارية دائماً، وأن الشعار اليوم هو أن الإعتذار عن الأفعال هو أهم من الإعتذار عن الأقوال. يريدون من الوزير باسيل أن يعتذر عن كلام صدر عنه، وهم لايعتذرون عن هجومات مسلّحة وعن عمليات قطع طرقات».
ولفت الدكتور حايك إلى أن «حزب الله» يؤكد أنه يدعم كل الجهود للتهدئة وأنه يدعمنا». ونفى كل ما يطرح عن أن أسباب الخلاف هي محاولة لاستنهاض الناخبين قبل الإنتخابات النيابية، موضحاً أن «القصة هي أكبر من ذلك». وأوضح أنه «من الممكن أن نقول عن حديث الوزير باسيل أمام الناخبين في البترون بأنه يهدف إلى شدّ العصب، ولكنه يشدّ عصب جماعته، بينما في المقابل، فإن جماعة الرئيس بري تهاجم الجميع وترفض أن يهاجمه أحد، ولذلك كان احتجاجها في الشارع».
فياض: “حزب الله” بات يسيطر على الطرفين أكثر
من جهتها رأت الدكتورة منى فياض أن «الخطاب السياسي بدأ يتدنى منذ العام 2005 وليس منذ الأمس، وهذا التدنّي بدأ ينتشر بشكل تدريجي، حتى بات البعض يستسهل إطلاق الشتائم والعبارات القاسية بحق خصومه، من دون احتساب خط الرجعة، أو حتى توقّع النتائج المترتبة عن أي خطاب ذي طابع تحريضي واتهامي وطائفي أو مذهبي أو حتى سياسي. فاللغة المعتمدة في التخاطب السياسي ليست لغة سياسية، وأسلوب الشتائم والتهجّم ليس جديداً على العديد من السياسيين، ولكن الجديد في هذه الحادثة، أن الكلام أتى خلال تجمّع يضم عشرات المواطنين، والكل يدرك أن وسائل التواصل والإتصال تنقل كل الأخبار والتصاريح لحظة بلحظة إلى الرأي العام، وذلك من خلال الصوت والصورة، وبشكل سريع. إن الخطاب السياسي يتحلّل وينهار ويتدنّى منذ سنوات، إذ هناك من استخدم عبارة فئران في وصف خصمه، وما سجّل من قبل وزير الخارجية جبران باسيل من إهانة بحق الرئيس نبيه بري، يشكّل ظاهرة مستغربة لأنه لم يكن يتحدّث في مجلس خاص، بل أمام أهالي بلدة محمرش في البترون وخلال اجتماع عام. وبالتالي، فإن تدنّي مستوى الخطاب هو إهانة أولاً بحق المجتمعين الذين يستمعون إليه قبل أن يكون إهانة للرئيس بري ثانياً. وهذا الواقع يدفع للتساؤل عن موقف المواطنين فيما لو كانوا راضين عن المسؤول الذي سيمثّلهم في مجلس النواب إذا كان مستوى حديثه على هذا القدر من التدني بحق خصمه. ومن هنا، في الدرجة الأولى، يجب وضع هذا الكلام برسم الناخبين الذين، وبنتيجة ما حصل في الأيام الماضية، فقد تكرّس انطباع لدى الناخبين في أي منطقة كانوا، وليس فقط في البترون، بأن هذا الأسلوب يشكّل نموذج التعاطي من قبل المرشحين إلى الإنتخابات النيابية المقبلة، أو على الأقلّ من قبل هذا الفريق الذي يعتمد هذه المقاربة في التخاطب مع جمهوره كما مع خصومه».
ورأت الدكتورة فياض أن «المسؤول عن الواقع الذي وصلنا إليه هو المواطن الذي أعطى صوته لأصحاب هذا الخطاب المتدنّي، أو المواطن الذي قاطع الإنتخابات نتيجة «قَرَفِه» من الوضع الراهن واستسلم لمصيره. إن هذا الموقف أيضاً يتطلّب الإدانة، لأن المواطن هو أمام مسؤولية انتخاب ممثلين على قدر من الكفاءة والجدارة واحترام الذات والقادر على التغيير الفعلي وليس الكلامي».
ورداً على سؤال عما إذا كان النزول إلى الشارع كردّ فعل على كلام باسيل هو الوسيلة الفضلى، اعتبرت الدكتورة فياض أن «هذا الفريق يشعر أنه يمتلك قوة فائضة نتيجة السلاح الذي بحوذته، وذهب إلى مستوى تصوير أطفال يحملون السلاح ويطلقون الشتائم على مواقع التواصل الإجتماعي، من دون الأخذ في الإعتبار النتائج المستقبلية لأداء هؤلاء الأطفال». مشيرة إلى أن «التحرّك الذي حصل أمام «ميرنا الشالوحي» كان بشكل عام مضبوطاً، وشكّل نوعاً من هزّ العصا كرسالة إلى «التيار الوطني الحر» لتقديم الإعتذار».
وبرأيي، تابعت الدكتورة فياض، فإن «ما حصل هو تخويف لكل الشعب اللبناني، و«بروفة» لإظهار القوة ودفع الجميع إلى عدم الوقوف بوجه هذا الفريق «القوي» والإستسلام له وتسليمه البلد. أو هناك ردّ فعل آخر هو السؤال عن كيفية التعاون مع مثل هؤلاء الأشخاص. كذلك هناك قراءة أخرى، وهي أن المواطن الذي يرفض الخطاب المتدنّي والمشحون بقي في منزله، ولم يشارك في أي ردّ فعل، ولكنه فهم الرسالة التي عبّر عنها الشارع».
وفي حين رأت فياض أنه «من الممكن أن تكون هذه الأحداث مفتعلة، وهي نوع من «البروفا» لقياس مدى قدرتهم على تعطيل الإنتخابات النيابية، وتحديد الطريقة المناسبة لذلك»، شدّدت على أن «المواطن يرفض هذا المنطق، ويصرّ على الإنتخابات، وعليه أن يشارك فيها اقتراعا ًللحؤول دون وصول أشخاص يعملون على تدمير البلاد». لافتة إلى أن «ما حصل هو أيضاً هزّة للبنانيين في الوقت الذي يتغنّون فيه بالإستقرار»، وسألت «هل هذا هو الإستقرار؟ فالمسؤولون يمنّنون الشعب بأنهم أمّنوا له الإستقرار، بينما الحقيقة أن الإستقرار أمني أو ضبط أمني لكل من هو خارج الفئة المهيمنة على السلطة، أي أن القانون يطبّق على المواطن العادي، بينما هو لا يطال من يتمتّعون بالحماية السياسية». مؤكدة أن «الإستقرار الأمني هو أحادي الجانب، وموجّه نحو فئة واحدة، ولكن الوضع العام ليس بخير لأن الأمن يسير باتجاه واحد».
وأضافت الدكتورة فياض قائلة: «بالنسبة إلي، فإنني كخبيرة في علم النفس، أعتبر أن الأمن الإجتماعي متفلّت، وأنا أنتظر المزيد من التفلّت والفوضى منذ نحو 3 سنوات، وقد تحدّثت عن ذلك لأننا بتنا نستفيق على العنف بشكل يومي، وفي كل المجالات، فأين هو الإستقرار؟ الإستقرار الإقتصادي هو مهدّد أيضاً اليوم وليس فقط الأمني. إن هذه الطبقة السياسية تفتقر إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية والوطنية، ولو بدرجات متفاوتة، علماً أنهم يتقاسمون البلد».
وعما إذا كان هناك من عملية شدّ عصب الشارع قبيل الإستحقاق الإنتخابي، لفتت إلى أنه «إذا اشتدّ العصب المسيحي مع الوزير باسيل وتضامن معه في هجومه على الرئيس بري، فإن الوضع سيصبح أسوأ لأن خطاب باسيل هو انتخابي، وبعد الإنتخابات سيهادن مجدّداً، وسيتفق معه على تقاسم السلطة. أي «بروفة» في الشارع قد تنقلب على الجميع لا سيما على الصعيد الحكومي، لأن الحكومة قد تتحوّل إلى حكومة تصريف أعمال»، مؤكدة أن «ما من قراءة أحادية الجانب لما حصل، والإحتمالات متعدّدة لا سيما مع المطالبة باستقالة باسيل، وربما هناك خطة سرية بدأت تظهر إلى العلن من خلال فضح الخلافات التي كانت مخفية سابقاً عن الناس». مشدّدة على أن «»حزب الله» ليس محرجاً في هذا الصراع، لأنه بات يسيطر على الطرفين معاً أكثر من أي وقت سابق».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]