.jpg)
من تدرج مواقف رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، منذ اعلن ان لا خلاف ايديولوجيا مع اسرائيل، وصولا الى وصفه رئيس المجلس النيابي بـ”البلطجي” وتهديده بـ”تكسير رأسه”، وتشبثه برفض الاعتذار عما صدر عنه، الى كلامه غير الملتبس عن أداء “حزب الله” الداخلي، يلمس المراقبون ان ثمة خطا استراتيجيا جديدا بدأ زعيم التيار البرتقالي يرسمه، واضعا نفسه على مسافة من حلفائه، حتى على المقلب المسيحي بعدما أدت مواقفه في التعاطي الحكومي الى هز الثنائية المسيحية القائمة على تفاهم معراب، وأحرجت الحليف المسيحي الاقوى في شارعه، مهددة بقلب الطاولة على كل التحالفات التي أفضت الى تسوية رئاسية لم يبق منها حتى الآن إلا عنوان الاستقرار.
بقطع النظر عن الأسباب الكامنة وراء مواقف باسيل الاخيرة، وما إذا كانت محض انتخابية، أو تتصل بحسابات سياسية خارجية لها علاقة بقلب ميزان القوى الداخلي، فهي حتما فعلت فعلها في استفزاز “حزب الله” ودفعته الى الخروج عن طبعه، بعدما شعرت قيادة الحزب بأن مضي باسيل في التصعيد معولا على الدعم الكامل للحزب سيؤدي الى تفلت الامور من عقالها، ولا سيما أن استهداف باسيل لرئيس حركة “امل” بما يمثله كأعلى مرجعية شيعية على رأس السلطة التشريعية لا يمكن احتواؤه في الشارع الشيعي، بقطع النظر عن خصوصيات هذا الشارع في مقاربته لما تمثله “امل”.
جاءت حملة رئيس “التيار الوطني الحر” في توقيت غير مريح للحزب. فلم يساعده ذلك في تخفيف وطأة تفاعلاتها او اعطائه اسبابا تخفيفية لما هدفت اليه تلك الحملة. وتذهب بعض الاوساط الشيعية الى القول ان تلك المواقف بما حملته في طياتها تجاه الحركة من جهة والحزب من جهة اخرى، كشفت المستور من النيات وفضحت خفايا ما يتم الإعداد له لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، والتي ستكون في الأساس النتيجة الحتمية لما ستحمله من توازنات جديدة.
فالتصعيد المتدرج لباسيل جاء في خضم مشهد محلي وإقليمي ودولي متقلب، تكشفت ملامحه مع تثبيت التحالف مع زعيم “المستقبل” عقب احتضان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لرئيس حكومته ومطالبته باسترداده، معولا على وساطة فرنسية- مصرية تزامنت مع تحرك كثيف لوزير الخارجية نحو عدد من دول أوروبا. ولا يمكن أن نغفل أن أبرز بنود الصفقة التي أفضت الى عودة الحريري عن استقالته والى بلده تمثلت في التزام “حزب الله” سياسة النأي بالنفس وتقليص النفوذ الايراني في لبنان والمنطقة من خلال الحزب، بما يعني تقليم أظفار الحزب داخليا من خلال تحجيمه تمهيدا لعزله داخل بيئته، مع بدء العد العكسي لابتعاد حلفائه عنه.
وللمفارقة، لم تمض أسابيع على تلك الوساطة الموضوعة تحت مجهر المراقبة السعودية في الدرجة الاولى، حتى برز تطوران مهمان في أبعادهما لما يشكلانه من ضغط على الحزب من خلال تهديده عسكريا وتضييق الخناق عليه ماليا. التطور الأول تمثل بالتهديدات الإسرائيلية لنفط لبنان. أما الثاني فجاء من وزارة الخزانة الاميركية التي أدرجت أشخاصا وكوادر في الحزب على لائحة العقوبات، وسط معلومات عن دفعة ثانية يجري الإعداد لها وستكون موجعة أكثر للحزب لما ستتضمنه من اسماء، ما يعني عمليا ان الحرب على هذا المحور قد بدأت.
في هذا المناخ المشحون سياسيا على أبواب الاستحقاق النيابي، وأمنيا وعسكريا تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية، واقتصاديا وماليا في ظل انتقال الادارة الاميركية من مرحلة التهديد والوعيد الى مرحلة التنفيذ، بدت مواقف باسيل استفزازية جداً للحزب ولا سيما في محاولته دفعه الى احتواء بري.
وأكثر ما يستفز الحزب على ما تقول أوساط قريبة منه، ما نمي اليه من مواقف حادة يطلقها باسيل في مجالس خاصة عن العلاقة معه ومقاربته لتفاهم مار مخايل، ولا سيما ان رئيس التيار كان بلغه التنويه الذي يحظى به لدى سيد الحزب والذي وضعه لأشهر قليلة مضت، في موقع متقدم على سليمان فرنجية، المرشح الرئاسي الاول لمحور الممانعة.
وعليه، تسأل الاوساط عن الأسباب التي دفعت باسيل الى الالتفاف على الحزب، والتضحية بحظوظه المرتفعة لخلافة عمه في سدة الرئاسة، مستطردة بتساؤل آخر عما اذا كان الامر متصلا بأجندة خارجية تعمل على الفصل بين مساري الحزب وعون، ضمن الجهود الدولية الرامية الى زيادة الضغط على الحزب وتضييق الخناق عليه تمهيدا لعزله، وسط معلومات شبه أكيدة عن حظوظ عالية جداً للحزب في حصد أكثرية مريحة في الانتخابات النيابية المقبلة تربعه على عرش السلطة من باب التمثيل الشرعي الاوسع.