هل عادت وحدة المسار والمصير بين لبنان وسوريا ؟
إسرائيل تعيد الأراضي التي تحتلها لمن يضمن أمنها
السؤال الذي لا جواب رسمياً عنه لا في لبنان ولا في سوريا هو: هل المسار اللبناني متلازم مع المسار السوري أم انهما منفصلان؟
فاذا كانا متلازمين ينبغي ان يكون لبنان على طاولة المفاوضات مع سوريا عندما تجريها مع اسرائيل لا ان تبقى وحدها كما حصل حتى الآن، واذا لم يكونا متلازمين فإن على كل من سوريا ولبنان الدخول في مفاوضات منفردة مع اسرائيل. ومن جهة اخرى ان تصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم بان اعتداء اسرائيل على لبنان هو اعتداء على سوريا والاعتداء على سوريا اعتداء على لبنان، هو موقف جديد، لان لبنان تعرض لحروب اسرائيلية عدة، آخرها حرب تموز 2006، ولم تدخل سوريا طرفا فيها، حتى ان الاسلحة التي كانت تمر عبر الاراضي السورية الى "حزب الله" في لبنان لم تكن الطائرات الحربية الاسرائيلية تقصفها الا عندما تصبح داخل الاراضي اللبنانية…
لذلك ترى اوساط سياسية ان على لبنان ان يتفاهم مع سوريا على الموضوع قبل ان تتحول التهديدات الاسرائيلية لكلا البلدين حربا حقيقية، فاما يصير اتفاق على ان يكون المسار اللبناني متلازما والمسار السوري فيدخلان معا المفاوضات مع اسرائيل، واما ان يكونا منفصلين وتكون المفاوضات منفصلة، وان يصير تفاهم ايضا على وحدة المسار والمصير وهو شعار طالما نادى به سياسيون لبنانيون في الماضي وفي طليعتهم الرئيس نبيه بري، بمعنى ان ما يصيب لبنان يصيب سوريا وما يصيب سوريا يصيب لبنان، وهو ترجمة لما جاء في اتفاق الطائف، اي ان امن لبنان من امن سوريا وامن سوريا من امن لبنان. وقد تضمنت معاهدة "الاخوة والتنسيق" بين البلدين ذلك فكان انشاء المجلس اللبناني – السوري الاعلى وكان اتفاق الامن والدفاع بين لبنان وسوريا لكنه اتفاق ظل من دون تنفيذ بمعظم بنوده.
وعن امكان التوصل الى اتفاق للاجابة عن هذه الاسئلة، تسأل الاوساط نفسها: هل يكون ذلك بعقد قمة لبنانية – سورية، ام باحياء اجتماعات المجلس اللبناني – السوري الاعلى ما دام لا يزال قائما؟ ام بطرح الموضوع على مجلس الوزراء لان كل القوى السياسية الاساسية في البلاد ممثلة فيه، ام بطرحه على طاولة الحوار عندما تنعقد؟
الواقع ان هذا الموضوع كان نقطة خلاف في الماضي بين اللبنانيين، فمنهم من كان مع فصل المسار اللبناني عن المسار السوري لان احكام القرار 425 التي تخضع لها الاراضي التي تحتلها اسرائيل في الجنوب تختلف عن احكام القرار 242 التي تخضع لها الاراضي السورية التي تحتلها اسرائيل وتحديدا هضبة الجولان. فالقرار 425 لا يدعو الى اجراء مفاوضات بين لبنان واسرائيل لاستعادة ارضه المحتلة، بل يدعو اسرائيل الى الانسحاب منها من دون قيد او شرط، في حين يدعو القرار 242 الى اجراء مفاوضات بين سوريا واسرائيل من اجل استعادة اراضيها المحتلة. وعلى رغم التفاوت في مضمون القرارين، فان لبنانيين ظلوا مع تلازم المسارين اللبناني والسوري ولم يتمكن لبنان تاليا من التوصل الى حل ازمته مع اسرائيل بمعزل عن ازمة الشرق الاوسط لان الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل اعتبرتا ان حل الازمة مع اسرائيل بواقع احتلالها الجنوب اللبناني، مرتبط بحل ازمة الشرق الاوسط، ولا يمكن التوصل الى حل منفرد بين اسرائيل ولبنان ما لم يلغ لبنان "اتفاق القاهرة" الذي اجاز للفدائيين الفلسطينيين الانطلاق من الجنوب لمهاجمة اسرائيل ويوقف عملياتهم، وهو ما لم يكن في مقدور الحكم في لبنان تحقيقه بسبب الانقسام الداخلي حيال موضوع المقاومة الفلسطينية وكذلك حيال موضوع ارسال قوات دولية الى الجنوب لئلا يعطل وجودها حرية المقاومة في تحركها ونشاطها، ولم تعمد الدول العربية من جهتها الى مساندة لبنان في تنفيذ القرار 425 سواء في اجتماعات مجلس الجامعة العربية او في اجتماعات مجلس الامن.
وعندما وافق لبنان على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام حرص على التأكيد في مذكرة له ان هذه المشاركة لا تعني ربط حل ازمته بازمة الشرق الاوسط. لكن موقفه هذا كان شيئا والواقع العربي والدولي كان شيئا آخر، وقد عبر عن ذلك قول مسؤولين اميركيين "ان انسحاب القوات الاسرائيلية من كل الاراضي العربية التي تحتلها اسرائيل مرتبط بتحقيق السلام الشامل في المنطقة وما يتطلبه من ضمانات"، وكذلك قول الرئيس حافظ الاسد لمسؤول اميركي: "ان لبنان جزء من التفاوض مع سوريا". وهكذا بات تنفيذ القرار 425 تنفيذا كاملا مرتبطا بتنفيذ القرارات التي تؤلف ازمة الشرق الاوسط، واصبح ملف الجنوب جزءا من ملف الجولان ولم يعد لبنان هو المفاوض المباشر عن قضيته، بل صارت سوريا هي التي تفاوض عنه ويطّلع منها على النتائج لان لبنان لم يتمكن من ارسال جيشه الى الجنوب والى حدود ما كان يسمى "الحزام الامني" لان سوريا لفتته الى ان ذلك من شأنه ان يحدث صداما بين الجيش والمقاومة في الجنوب تفيد منه اسرائيل التي يهمها وقف اعمال المقاومة.
وبما ان لبنان لم يتمكن بسبب الانقسام الدخلي وعدم الدعم العربي له من وقف اعمال المقاومة الفلسطينية كي توافق اسرائيل على البحث في انسحاب قواتها من الجنوب، ولم يتمكن ايضا من تحقيق انتشار الجيش في الجنوب لحفظ الامن فيه وعلى حدوده مع اسرائيل، فان حل مسألة الجنوب بات مرتبطا، إن لم يكن بالحل الشامل لازمة المنطقة، فبحل مسألة الجولان، وهو ما جعل اسرائيل غير مهتمة بمفاوضة لبنان لان لا جدوى منها، بل التفاوض مع سوريا لانها قد تكون قادرة على وقف المقاومة.
هذا المشهد الذي واجهه لبنان في الماضي يواجهه اليوم بحيث لا يستطيع التوصل حتى الى تحقيق انسحاب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية، وتحديدا من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ما لم يضمن وقف اعمال مقاومة "حزب الله"، وهو ما ليس قادرا عليه بسبب الانقسام الداخلي، كما لم يكن قادرا من قبل على وقف المقاومة الفلسطينية التي كانت تنطلق من الجنوب وللسبب نفسه فبات تحقيق هذا الانسحاب مرتبطا بتحقيق الانسحاب من الجولان وبات المسار السوري يتقدم على المسار اللبناني وحتى على المسار الفلسطيني اذا كان هو الذي يحقق الامن على حدود اسرائيل ويوقف اعمال المقاومة.
وفي المعلومات ان لا لبنان يستطيع وقف اعمال المقاومة اذا انسحبت اسرائيل من بقية الاراضي التي تحتلها في الجنوب، ولا اسرائيل مستعدة لان تنسحب منها ما لم تضمن وقف هذه الاعمال، ولا سوريا تعهدت لاسرائيل وقفها ايضا مقابل انسحابها من الجولان لئلا تسيء الى علاقاتها مع ايران، ولا ايران مستعدة لان توقف مد "حزب الله" وحركة "حماس" بالسلاح، ما لم يتم التوصل الى اتفاق على برنامجها النووي. فمن هو القادر اذاً على وقف هذا السلاح وعلى وقف اعمال المقاومة كي تقايض اسرائيل الارض التي تحتلها بالامن الذي يمهد الطريق للسلام الشامل في المنطقة؟
لقد بات واضحا ان لا شيء يحقق الامن والسلام لاسرائيل ولدول المنطقة سوى تنفيذ القرارات الدولية، ولا الحروب التي تنشر الدمار الشامل، ولا غير ذلك.