اللبنانيون " سينزلون " غداً إلى ساحة الشهداء بأعداد كبيرة كما تقول التوقعات ، وستعود ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري لإنتاج مشهد وطني جديد أهم ما فيه أنه يجسّد الشراكة المسيحية-الاسلامية في الوطن والدولة .
" ينزل " اللبنانيون غداً وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل شهداء الوطن الذين سقطوا دفاعاً عن " لبنان العظيم " هؤلاء الشهداء الذين اعطوا لبنان الكثير في حياتهم ، واعطوه في مماتهم ، بحيث كان اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط 2005 الشرارة الاولى التي أشعلت انتفاضة الاستقلال وألهبت ساحات بيروت ودفعت المجتمع الدولي إلى رفع مستوى الاهتمام بلبنان وقضاياه .
وفي تقديرنا ان الناس " ينزلون " غداً التزاماً منهم بانتفاضة الاستقلال وتأكيداً على استمرارها رغم كل العثرات والخيبات. وأما الرسالة الابلغ فهي موجهة إلى قيادات 14 آذار اولاً من جمهور 14 آذار الذي ساءه ان لا يكون الاداء في مستوى القضية ، وان لا يكون الموقف في مستوى الانجازات ، وان يجري تفريط بالمكتسبات ، وتلاعب بالمشاعر والمعنويات. هذا الجمهور الذي كان وفياً لقضية 14 آذار واعطاها من قلبه وعقله ولم يخذل قياداته في المحطات والاستحقاقات الحاسمة وآخرها الانتخابات النيابية ، يعيش شعور المرارة والخيبة لأن ما لمسه على ارض الواقع لم يكن مطابقاً للشعارات والوعود التي اطلقت .
جمهور 14 آذار الذي سبق قياداته دائماً وأملى عليها القرارات والتوجهات المصيرية ورسم الطريق بدءاً من 14 شباط واخرج الوطن من حال الصدمة والذهول ليضعه على سكة الاستقلال والحرية … الجمهور نفسه الذي محض قياداته الثقة في أصعب المراحل واحلكها واهداها فوزاً ثميناً في الانتخابات النيابية الاخيرة عندما كانت هذه القيادات تعيش اجواء الخسارة المحققة وحولها إلى اكثرية نيابية داخل البرلمان ، هذا الجمهور هو اليوم محبط نتيجة تكبير الآمال قبل الانتخابات وما حصل من تردد وارباك بعدها.
اذا كان جمهور 14 آذار صنع انجازات ونجاحات ، فلا يجوز ان يُصدم بإخفاقات ، واذا كان طمح إلى وضع أفضل لا يجوز ان يقاد إلى الاسوأ ، واذا كان تطلع إلى مرحلة جديدة ومستقبل واعد لا يجوز ان يعود إلى ما يشبه اوضاع ومرحلة ما قبل العام 2005 .
الناس يريدون اصلاحاً فعلياً وعلى المسؤولين ان يقدموا عليه بدل ان يغرقوا في المحاصصة والفئوية… الناس يريدون حكومة وحدة وطنية ولكنهم لا يقبلون ولا يفهمون ان تتحول التوازنات إلى تناقضات ، وبدل حكومة إنتاج وادارة حلول نصبح امام حكومة تعطيل وادارة أزمات ، وبدل حكومة مبادرات وقرارات نكون أمام حكومة تصريف اعمال …
صحيح ان اللبنانيين يريدون افضل العلاقات مع سورية خصوصاً بعدما تحررت من اعباء واثقال الماضي وسقطت فيها الحواجز النفسية وبعدما حصل التبادل الدبلوماسي بين البلدين الجارين وحصلت نقلة نوعية جديدة في التعاطي اللبناني – السوري ولكنهم يرفضون في الوقت نفسه الحنين عند بعض السياسيين إلى أيام الوصاية و التملق والتزلف التي اوصلت العلاقات بين البلدين إلى ما وصلت اليها في السنوات الخمس الاخيرة.
ما يريده اللبنانيون ان تمضي عملية اعادة بناء الدولة على أسس ثابتة وصلبة قدماً إلى الامام بعدما عادت الروح إلى المؤسسات الدستورية وتجاوزت قطوع الفراغ والانقسام … وما يطمحون اليه هو ترسخ حال الاستقرار السياسي والامني وتعزز الرخاء الاقتصادي واستئناف الحوار الوطني برعاية الرئيس ميشال سليمان ، وقيام حالة انسجام داخل الحكومة لتعطي ثماراً وانتاجاً وتستفيد ما أمكن من فسحة الهدوء او الانتظار في المرحلة الاقليمية الانتقالية الراهنة لتحصين وضع لبنان وتعزيز مكانته ، ولتعويض جمود أربع سنوات وكل الفرص الضائعة…
فلتكن ذكرى 14 شباط نقطة انطلاق إلى هذه المرحلة الجديدة ، ولتكن مناسبة وطنية جامعة عبر مضمون وطني سياسي يراعي كل الاتجاهات والمطالب والمشاعر والهواجس ، ويتماشى مع التطورات والحقائق السياسية الجديدة في لبنان والمنطقة … وليكن التمسك بمبادىء 14 آذار مرادفاً لمرونة في الاسلوب وانفتاحاً في التعاطي وواقعية في مقاربة القضايا والملفات على وفرتها وتعقيدها . وليكن الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري وفاء للبنان الذي سعى إليه في حياته ، للبنان الجديد الذي ولد بعد استشهاده ولم يكتمل بعد …