دخل "الحكيم" من الباب الخلفي بهدوء، تقدم نحو ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليتلو الصلاة عن روحه، ويُطمئنه في عليائه أن "ثوار الارز"، مسلمين ومسيحيين، ما زالوا هنا، "كي لا يُقتل الشهيد مرتين".
وقف "الحكيم" في حضرة "الرفيق" كمن يخوض معه في حوار سري. تراءى للكثيرين أنه يخبره عن روعة "الشراكة الاسلامية المسيحية" المستمرة بعد خمس سنوات على استشهاده، دفاعاً عن لبنان وطن الرسالة والعيش المشترك.
قال ما قاله لأبي بهاء عن الحشود الوفية التي لم تسعها ساحة الحرية، ومضى مبتسماً الى حيث الرفاق في "14 آذار" ينتظرونه، وفي عيونه نظرات واثقة بأن "ثورة الارز على الرغم من كل شيء مستمرة"، طالما أن هناك شعباً لن يعانق غير الحرية، لم يتغير، ولن يتغير، لأن "جنّة في الذلّ لا نرضى بها وجهنم في العزّ أفخر موطن".
تقدم بخطى ثابتة الى المنصة الرئيسية، تبادل القبلات مع رجال الدين والسياسيين، عانق الرئيس فؤاد السنيورة بحرارة، وجلس الى جانبه ينظر الى الشاشة المركزة على شعب "14 آذار" الذي لم يخالف وعده، قبل أن يطلّ عليهم بكلمات منظومة تجدد العهد "أننا أحرار أحرار أحرار، لن نقبل أي خيار، سوى لبنان والحرية و 14 آذار".
ما هي إلا لحظات، ويدخل سعد رفيق الحريري مجدداً الى المنصة، بعد أن خرج الى الساحة يشكر جمهوره على وفائه، يراقب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع "حليفه" يقترب منه، فيتبادلان سلاماً حاراً، كان بمثابة رسالة لكل المشككين بأن ما بين "السعد" و"الحكيم" حلف متين، لم يتردد الاخير بتأكيده عندما قال لشعب "14 آذار" المحتشد في الساحة "السعد سعدنا .. والأمانة في أعناق من يؤتمنون".
يأتي دور "الحكيم" ليطل على الجمهور بخطاب يحاكي ثوابته ومبادئه، ويردّ فيه على كل الزاعمين بأن ثورة الارز انتهت، فيقول لهم على طريقته المعتادة :" قالوا رحلتم إلى غير رجعة، فها أنتم تعودون، في ذكرى أبو بهاء، وبيار وجبران وجورج وسمير وباسل ووليد وأنطوان، تعودون، وبكل إيمان، وصلابة، وجرأة تعودون لتقولوا لهم: نحن هنا".
شعب "14 آذار" هنا، يصغي الى سمير جعجع ماذا يقول عن المرحلة السياسية الراهنة والمستقبل، فـ"الحكيم" إن حكى يصارحهم على طريقته، دون لفّ أو دوران، لا سيما وأنه أخبرهم "أن حساباتنا صعبة اليوم، لكنها رابحة غداً"، مؤكداً أن "حكومة الوفاق الوطني كانت تحدياً كبيراً منذ اليوم الأول، ولم تزل، وأنتم، ونحن، مستمرون في قبول التحدي، لكن لا تدعوا البعض، يحوّل هذه الحكومة، من حكومة وفاق وطني، الى حكومة شلل وطني.
حدّثهم عن المحكمة الدولية التي يشكّكون بها "فالمحكمة وجدت لتحكم وستحكم، وسنقبل احكامها مهما كانت".
كعاداته، استوعب "الحكيم" سهام الفريق الآخر التي وجهت إليه قبل الذكرى، فإذ به يدعوهم، من منطلق الواجب الوطني، الى حماية لبنان من طبول الحرب التي تقرع في المنطقة عبر "اتخاذ قرار وطني شجاع، يقضي، بالموافقة، على وضع إمكاناتهم العسكرية، بتصرف الدولة اللبنانية، وقرار السلم والحرب، في مجلس الوزراء من دون سواه"، لأن "بقاء أي سلاح، خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، بات يشكل عبئا، لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله، وهو ما قد يستجلب، اعتداءات خارجية، واستدراجاً للبنان".
ما قاله "الحكيم" ليس إلا غيض من فيض، يقود الى خلاصة واحدة بأن "المسيرة مستمرة"، وهو القائل "إذا رأيت الأرز يمدّ يده، فلا تظننّ أن الأرز يساوم".