بعد تأمُّلٍ شمل المرحلة الزمنيّة الكأداء، والطويلة نسبيّاً، وجدتني أقول لنفسي إن المملكة العربيَّة السعوديَّة لم تغادر لبنان، ولم تقاطع يوماً واحداً، ولم تختلف معه ساعة، كي نقول اليوم إنّها عادت إليه وعاد إليها، وكلاهما يقول للآخر ما أحلى الرجوع إليه.
حتى خلال فترة “الالتباس العابر” بقيت السعوديّة موجودة على كل شفة ولسان. وكان اللبنانيّون واثقين من أن مرحلة “التعقيدات الطارئة” عابرة، لا مكان لها في الوجدان والواقع وأصالة العلاقة المزمنة المبنيَّة على التفاهم العميق والأخوَّة والمحبَّة المتبادلة.
وكان السواد الأعظم من العقلاء والمخلصين واثقين من أن ما حصل عابرٌ وزائل. وستعود مياه الألفة والتعاون إلى مجاريها في فترة قريبة. فما بين البلدين الشقيقين ما لا يقدر واشٍ أن يفسده. صلة أخوّة وصداقة راسخة في كل الميادين لا تقدر التجارب العابرة على خلخلتها. وهذا ما حصل. وها هي المملكة قد عادت، وعلى سابق عهدها فاتحة قلبها ويديها لتغمر شقيقاً لها لم تتخلّ عنه يوماً. بل لطالما بقيت تغمره بعطفها وعنايتها في مرحلة “حروب الآخرين” الى أن كان مؤتمر الطائف، وكان الاتّفاق، وكانت نهاية الحروب والخلافات بمتابعة دقيقة من المملكة الشقيقة، وهو ما لا يجوز للبنان أن ينساه أو يتناساه أيّاً تكن الأسباب والدوافع…
ليس مستغرباً أن يكون خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، المحبّ للبنان وبيروته والزمن الجميل، قد أعاد التأمُّل في كل ما حصل واتّخذ كالعادة قراراً كان يتوقّعه وينتظره الذين يعرفون منزلة لبنان لدى من كان يخصّه دائماً وأبداً باهتمام فوق العادة. وفي كل حالات الزمان عليه.
مَنْ لا يذكر مبادرات الملك سلمان بن عبدالعزيز حين نشبت “حرب بوسطة عين الرمّانة”، وكيف فتح الأبواب في الرياض وحوّلها لتستقبل عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من اللبنانيّين مع عائلاتهم، وحيث أتاحت لهم المؤسَّسات والشركات الفرص والمناسبات، وفي كل المجالات من دون استثناء.
قبل الحروب، والأزمات، والهزّات، وبعدها، وإلى هذا التاريخ والسعوديّة لم تُغيِّر رأيها أو موقفها بالنسبة إلى هذا اللبنان الذي لم يلقَ من بعض مراجعه ومسؤوليه جزءاً يسيراً مِمّا كان ولا يزال يلقاه من المملكة الوفيّة، ومنذ عهد المؤسّس الكبير الملك عبدالعزيز آل سعود… واقعيّاً، يمكن القول بثقة وواقعيَّة إن العودة السعوديّة في هذه الظروف الدقيقة، وهذه التطوّرات على الصعيدين الداخلي والخارجي، جاءت في وقتها. ولن يكون مُفاجئاً أن تساعد هذه العودة في تثبيت دعائم التوازن للوضع السياسي، ووضع الصيغة اللبنانيّة المعرَّضة لاهتزازات متواصلة، كذلك الأمر بالنسبة الى الائتلاف الوطني في مرحلة مزروعة بالمفاجآت.
في الإمكان القول الآن إن لبنان استعاد الثقة، وتجدَّد من حوله الدعم العريق في القدم والإخلاص. فأكثر ما كان هذا البلد “الظاهرة” في حاجة إليه خلال هذه الفترة العصيبة دعم سعودي عربي يساعده في اجتياز الامتحانات الصعبة.
المُهم عادت السعوديّة لتغمر لبنان بحنانها ورعايتها. فمن عادات لبنان اللجوء إلى المملكة حين تشتدّ الأعاصير وها هي المملكة قد حضرت. فما أحلى الرجوع إليها.