تشكل الحفاوة الزائدة التي حرص أطراف 8 آذار الاصليون واللاحقون على احاطة خطاب الرئيس سعد الحريري في يوم 14 شباط بها حافزا فضوليا للتوقف عندها اقله من حيث المعاينة لاحوال هؤلاء الاطراف وهذا الفريق الاساسي في لحظة سياسية يرى نفسه فيها في موقع التفوق على رغم كل المجاملات وما تقتضيه لعبة المناورات الداخلية.
بطبيعة الحال لا يمكن إنكار الوجه الايجابي لهذه الحفاوة في ظروف المناسبة التي املتها، ان من حيث تجاوز الجرح العميق بين "تيار المستقبل" وكل من "حزب الله" و"أمل" من جهة او من حيث مدّ التعايش الحكومي والسياسي الراهن بجرعة انعاش "عاطفية" وتضامنية. ولكن ذلك لا يوجب في المقابل التساهل مع القوى السياسية في تركها تسلس القياد للتلاعب بالبواطن الحقيقية لمواقفها وتوجهاتها لان مفاعيل هذا التلاعب ستظهر عاجلا ام آجلا و"المؤمن لا يلدغ مرتين من جحر".
الواضح تماما ان الحفاوة بالحريري وخطابه كانت بمثابة رد التحية الفورية من قوى 8 آذار وامتداداته السورية للالتزام القاطع الذي شهره رئيس الحكومة امام جمهور 14 آذار حيال المضي في التسوية السورية – السعودية، وهو امر مكلف جدا على الحريري التقطه بسرعة اطراف المعارضة السابقة وحليفتهم الاساسية دمشق. واذا كان هذا العامل امرا طبيعيا، مع انه شديد الحساسية والاهمية في كشف المعالم العميقة للمظلة السورية – السعودية التي ترعى الواقع اللبناني الراهن، فان ما يسترعي الاهتمام المقابل بمواقف 8 آذار هو حقيقة رهاناتها ومسلكياتها تجاه مجموع القوى الاخرى لـ14 آذار.
بدت هذه القوى مجتمعة ومنفردة، وخصوصا بشقيها الشيعي والمسيحي، حريصة على اظهار امتهانها لمواقف كل من الرئيسين امين الجميل وفؤاد السنيورة والدكتور سمير جعجع، وارادت بذلك الايحاء بانها لا تعترف سوى بالرئيس الحريري قاطرة لقوى 14 آذار من جهة، والحض تاليا بمفعول سياسي مباشر على اذكاء التمايز الشكلي بين حمائم هذا الفريق وصقوره. واذا كان البعد الاقليمي يتحكم بشكل اساسي في الدفع نحو هذا التمايز، فان الوجه الداخلي الصرف لتجاهل مواقف حلفاء الحريري لا يعكس في باطنه الا توق قوى 8 آذار نحو ثنائية حاكمة بينها وبين رئيس الحكومة في المرحلة المقبلة تختزل عبرها سائر الآخرين خصوصا بعد ضمان "اللاعب الوسطي" القوي الخارج من 14 آذار النائب وليد جنبلاط حين يحل زائرا على دمشق وما قد تنعكس به هذه الزيارة عليه من تعزيز لموقعه في اطار التسوية.
بطبيعة الحال لا تنطلق قوى 8 آذار في رهانها هذا من فراغ او وهم، اذ ان امكانات نجاحه لا يستهان بها. لكنها في المقابل تفرط في المبالغة حيال تقليل الاثر الخطير لتجاهل امرين اساسيين على الاقل، يصعب تصور عدم ادراكها الفعلي لطبيعتهما. الامر الاول يتمثل في ان خطب حلفاء الحريري في يوم 14 شباط عكست "العصب" الواقعي لهذا الفريق لانها كانت اكثر "تحررا" من الالتزامات الرسمية والحكومية التي اوجبت على الحريري وقفة مسؤولة، وتدرك قوى 8 آذار قبل سواها ماهية هذا التمايز وحدوده.
والامر الثاني يتمثل في ان الحشد الشعبي قدم لقياداته تفويضا مزدوجا بالتسوية والمواجهة سواء بسواء، وهو امر لا يسهى ايضا عن قادة 8 آذار.
لذلك تبدو حفاوة المعارضين السابقين بخطاب رئيس الحكومة حصرا على سبيل ادانة حلفائه، كأنها ضربة سيف في المياه ان كان يراد لها فرض نمط معين من التوجهات السياسية الداخلية.
فالتزامات التسوية مع سوريا ليست تجربة وليدة في لبنان، ولا تعني في اي شكل تعميم تجربة مدمرة يسود فيها الخطاب الآحادي. واذا كان بعض من 8 آذار او جميعهم مقتنعين فعلا بان امكانات العودة الى تلك الحقبة هي مسلك واقعي، فان ذلك لا يقل عن خطأ فادح في الحسابات خصوصا مع استحالة اقامة ثنائية سياسية سيكون الحريري نفسه اول المناهضين لها، لانه حتى في حال افتراض تسليمه بها، لن يقوى على حمايتها امام قواعده المباشرة في الدرجة الاولى. وليس ادل على هذه الحقيقة من الصعوبات الشديدة والخطيرة التي يعانيها كل منحى سياسي لاي زعامة في الانتقال من موقع الى آخر، بعيدا عن مسار عام صحيح لادراج هذه التحولات في مشروع قيام الدولة.
اما اذا كانت قوى 8 آذار تتعمد تجاهل حلفاء الحريري وادانتهم ضمنا لتوفير عوامل تقويهم وتشد عصبهم اكثر فاكثر، فان الامر يستدعي هنا بحثا اوسع في عالم الباطنيات بدءا من التساؤل الفضولي عن حقيقة تمسك قوى المعارضة السابقة بالتسوية و"صدق" حفاوتها بالحريري.