#adsense

ميثاق 14 آذار.. مسلمون ومسيحيون موّحدون

حجم الخط

بين الخوري والصلح ميثاق 1943 وبين جعجع والسنيورة
ميثاق 14 آذار.. مسلمون ومسيحيون موّحدون

رونق 14 شباط 2010 مختلف عن نكهة 14 شباط السنوات السابقة، ولعلّ تلبية الجمهور العاشق لحريته واستقلاله دعوة قوى 14 آذار للسنة الخامسة على التوالي لم تكن كرمى عين القيادات وإن كانت بجانب منها وفاء للشهيد رفيق الحريري، ولكن يبقى أن المواطن الذي حزم أمره وحسم خياره، إنما استنبط قرار المشاركة من خلفية نابعة من عوامل ومحفزات دفعته للنزول، ويبقى ما انبلج من ذاك اليوم الذي كان أحد مرفع عند المسيحيين، وكلّنا يعلم ويدرك أهمية هذه المناسبة.

ولم تكن ردات الفعل الانفعالية لقوى 8 آذار مستغربة لكون تلك الفئة تتمسك بمنظومة أحادية مؤداها أنّ قوى 14 آذار ماتت في مهدها، وبالتالي مهما حاولت هذه القوى جاهدة للحشد والاستنهاض فإنّ قضيتها انتهت مع الدوحة ورقدت تصارع الموت مع تشكيل الحكومة وأسلمت الروح في البيان الوزاري…

ولكن هؤلاء، لم يفقهوا بعد لبّ وصلب قضية 14 آذار، هؤلاء جلّ ما يفهمون به مواسم سلاح وحصاد أرقام على طريقة الحشد الذي يصنعه حزب الله في شوارعه وخلال مناسباته، ولكن ما لم يتنبه له هؤلاء النتائج التي تحققها قوى 14 آذار في كل مناسبة وعند كلّ استحقاق، فعدا انتصارها في الاستحقاقات المصيرية وأهمها إرساء معالم مؤسسات الدولة، في وقت يرفض الفريق المسلّح ثقافة المؤسسات ويسعى جاهداً لإحلال مؤسساته الرديفة، وعدا التذكير بنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة والاحتفاظ بالأكثرية، معادلة جديدة تتكرّس وتتعمق وتأخذ طريقها شيئاً فشيئاً باتجاه الميثاقية، وهي تلك اللوحة الوطنية التي رسمها ثوار الأرز وباتت دستوراً عرفياً يعتمده ناس 14 آذار وعن قناعة راسخة، ولعلّ خطابي فؤاد السنيورة وسمير جعجع المكملين لبعضهما البعض، أعادانا الى زمن استقلال الـ43 حيث انبلج الميثاق من خطاب بشارة الخوري والبيان الوزاري برئاسة رياض الصلح ليولد الاستقلال..

ومَن راقب عن كثب وتمعّن في كلمتي جعجع – السنيورة، لأيقن حقيقة جديدة بدأت تبرز تباشيرها عشية استشهاد الرئيس الحريري وراحت تأخذ حيّزها مع النمو المضطرد لحركة 14 آذار، بحيث يمكن الجزم اليوم بأنّ ما انتجه هذا التلاقي، وما تبعه من تدعيم للوحدة الإسلامية – المسيحية، بشكل ملموس وحسّي ومنطقي وطبيعي من دون أيّ تكليف شكلي أو شرعي، أنضج فكرة وعقيدة ورسالة وهدفية 14 آذار بحيث يمكن القول إنّ اكتمال الصورة جرى يوم الأحد الفائت بحيث برز التناغم والتنسيق ولو غير المقصودين والمتعمدين للوصول الى الصيغة النهائية للبرنامج المستقبلي للقوى المنضوية تحت راية 14 آذار.

وبعيداً عن التنظير وفلسفة الأرقام وتمييع حقيقة ما جرى يوم الأحد، وبعيداً عمّا كتبته الأقلام في الناحيتين من نواحي الوطن، يمكن الخروج بالملاحظات التالية:
أولاً: إذا صحّت مقولة قوى 8 آذار من أن حركة 14 آذار ماتت، فإنّ زمن العجائب عاد تماماً كموت اليعازار وقيامته من جديد. إذاً، هي اعجوبة يجب أن يعترف بها أخصام القوى السيادية، وهذا فيه انتصار على الموت، وهو انتصار كافٍ لنعبر الى الدولة التي نطمح اليها، ونعبر برؤوسنا العالية الشامخة.

ثانياً: عوّل حلفاء سوريا على خروج وليد جنبلاط من 14 آذار، معتبرين أن خروج الزعيم الدرزي يُفقد المشروعية الوطنية لمشروع 14 آذار، ليتبيّن لاحقاً أن خروج جنبلاط حصل بالجسد ولم يحصل بالروح، استمرّ بالأكثرية ليستمر شارعه حتى الجنبلاطي منه متناغماً مع رفاقه الذين صنع معهم يوميات الاستقلال الثاني.

ثالثاً: طبلوا وزمروا لزيارة سعد الحريري الى سوريا، وهنا نعوا حركة 14 آذار، وراحوا يسألون حول جدوى استمرار الحركة بعد اعتقادهم المغلوط بأنهم طوّعوا الحريري ووضعوه تحت إبطهم، حيث انبرى واحدهم من الشمال يقول بنصيحة لرئيس الحكومة كي يجيد اختيار حلفائه، وآخر من الجنوب يمدح سلوكية الحريري السياسية، وآخر من هنا ومن هناك، الى أن صُعقوا بحضور ومشاركة رئيس الحكومة اللبنانية في اجتماع البريستول معلناً ما يشبه القسَم في عامية انطلياس عام 1840، متخطياً ومتفوقاً على مسألة الوحدة الإسلامية – المسيحية، معلناً "لا يفرّقني عنكم يا رفاقي في 14 آذار… إلاّ الموت"…

رابعاً: أعادت قوى 14 آذار الإمساك بزمام المبادرة الداخلية، بحيث فرضت بتضامنها وتوافقها إلزامية حتمية لتأخذ الدول العربية وعلى محمل الجدّ الثقل والوزن والحجم لهذه القوى، بحيث ترّسخت معادلة مفادها: بعد اليوم لا يمكن تخطيّ ولا تجاوز ما أنجزه هذا الشارع اللبناني، وهذا ينسحب على التقارب السعودي – السوري، كما ويدّعم موقف المملكة التي بإمكانها القول بعدم تخطيها لشارع لبناني عريض يمثل الصيغة اللبنانية كما والعائلات كافة.

خامساً: على الرغم من سطوة السلاح واستعماله كقوة رادعة من قبل حزب الله وكافة حلفاء سوريا في لبنان، "والاستقواء" به عبر فرض لغة الهيمنة والاستعلاء، برز التضامن الإسلامي – المسيحي، كقوة ردع أنجع وأكثر فعالية، وكقوة ضغط شرعية – شعبية، ما جعل أصحاب الربط والمصير يعيدون التوازن الى أجندة الحراك الداخلي اللبناني، وهكذا يمكن الجزم بعدمية تجاوز الحالة السياسية التي فرضها شارع 14 آذار، خاصة وأنّ جزءاً غير يسير من شرعيته يستمدها من وجود النواب والوزراء وعلى رأسهم الحريري، حتى أمكننا القول، بأنّ التوازن عاد الى نصابه، على طريق عودة الرشد المؤسساتي الى من عوّل على قرقعة السلاح.

في المحصلّة الأولية لنتائج يوم 14 شباط 2010، يمكن الركون الى ترسيخ مفهوم الوحدة اللبنانية عبر ما طرحه فؤاد السنيورة من سقف وطني لا يمكن التنازل عن سطوره قيد أنملة، وهو ما يعبّر عن روحية مضامين أفكار ومواثيق تيار المستقبل، وكذلك ما عبّر عنه سمير جعجع من مسلمات يؤمن بها فريقه الذي يمثل الى حدّ بعيد مسلمات المسيحيين، وهكذا عبر جمع ودمج المقاربتين تتضح صورة معالم المرحلة المقبلة والتي ستشهد حتماً مزيداً من التقارب المسيحي – الإسلامي، ومزيداً من الاتفاق على مسألة السلاح خارج الشرعية، ومزيداً من تحقيق الإنجازات الوطنية.

وأخيراً خرج سعد الحريري من ذكرى 14 شباط أكثر قوة شعبية وأكثر تدعيماً لمواقفه، متسلّحاً بما يملك من رصيد وبما يتمتع من مصداقية كرّسها له جمهور ساحة الشهداء، ليطلّ على العالمين العربي والغربي حاملاً توقيعاً موّثقاً وممهوراً مفاده أنه يملك وكالة لبنانية نظمها له المسيحيون والمسلمون على السواء، لينطلق واثقاً من أرضيته الشعبية من دون أن يتردد أو يخاف من سحب البساط ورفع الغطاء عن شرعيته.

ويبقى القول إنه إذا ما دمجنا ما قاله الثنائي السنيورة – جعجع، يمكن التوصل الى ما يشبه مسودة مشروع وطني قد يصلح في المستقبل للبدء بورشة الإصلاح وترميم النظام عبر تثبيت روحية المناصفة ورفض مشاريع العددية كبديل عن التعددية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل