في الجمهورية كلها، لا أحد يقوى على تحديد مهلة لإنجاز أي ملف مهما كان كبيراً أو صغيراً، مُلحّاً أو يحتمل التأجيل، وليس هناك سببٌ واحد لهذه (الحالة) لكن يبقى سببٌ جوهري وهو ان لا رأي عام يحاسِب، وعندما تكون هذه المحاسبة غائبة تتحوَّل السياسة مهادنة في كل شيء.
* * *
إن أيَّ ملف نتناوله نشعر بأننا اشبعناه درساً وتمحيصاً، لنجد في نهاية المطاف انه كـ(أبو الهول) لا شيء يستطيع تحريكه، لكن ما يشغل البال هو:
ألا يطرح المسؤولون أو السياسيون على أنفسهم ان تأجيل الملفات لا يمكن أن يعني انها حُلَّت، فالتعقيدات لا ينطبق عليها مرور الزمن، وكلما صار هناك تأخُّر في معالجة ملف تحوّلت عقدته إلى أكبر وأصعب.
وإذا كان المراقب أو المتابع يتعب من تكرار الكتابة في موضوع معيَّن، فما حال القارئ الذي يرى أمامه كلَّ يوم تقريباً القضية ذاتها والملف ذاته.
* * *
كل هذه الملفات تتراكم وتتعقَّد لأن لا محاسبة، ولو كانت هناك محاسبة لأُنجزَت الملفات اليوم قبل الغد.
* * *
ثم ان هناك أمراً آخر يتعلق بالمصداقية والشفافية، فالمسؤولون عندنا يقولون ما لا يضمرون، لنأخذ قضية الإنتخابات البلدية والإختيارية مثلاً، مَن من المسؤولين يؤيد حقيقةً إجراءها؟
إذا دققنا نجد ان جميعهم تقريباً مع اجرائها في موعدها المحدَّد في أواخر أيار المقبل، لكن في المقابل نسمع همساً من أوساط أكثر من مسؤول يميل إلى أرجحية تأجيل هذه الإنتخابات لأن هناك أموراً أكثر إلحاحاً، حين نُدقِّق في هذا الكلام نجد ان الإنتخابات قد تتأجل وان ما يُحكى عن ملفات (أكثر إلحاحاً) هي مؤجَّلة بدورها، وعليه فإذا كانت كل الأمور مؤجَّلة فبماذا يشتغل المسؤولون؟
* * *
إذا ما أخذنا ملفات أخرى فإن (موجة) التأجيل تنطبق عليها تماماً كانطباقها على الإنتخابات البلدية والإختيارية:
أين الموازنة؟
أين التعيينات؟
أين لجنة الرقابة على المصارف؟
ما هو مصير قرارات مجلس شورى الدولة في حق مَن استحصلوا على الجنسية اللبنانية من دون وجه حق؟
* * *
التجارب علَّمتنا اننا نعيش في (ذهنية التأجيل) إلى درجة ان المواطن بات يشعر بأن انجازاً كبيراً تحقَّق إذا شعر بتبدلٍ صغير في السياسة، علماً ان الإنجازات هي عمل روتيني في الدول المتحضرة التي نسعى لأن نكون منها ومثلها.