
تجمع التقارير الديبلوماسية والتحاليل السياسية والاستراتيجة مؤخرًا على اعتبار ان المنطقة بدأت تمر في مرحلة مواجهة عسكرية – ستقلب الحسابات وتعيد خلط الاوراق الاستراتيجية اقليميًا ودوليًا، ويبقى السؤال عن تأثير تلك التطورات على مصير الانتخابات النيابية المزمع اجراؤها في 6 ايار المقبل.
فمن الناحية المبدئية، الوضع الإقليمي على مفترق ينذر بانفجار سياسي – عسكري – مع بروز عدة مؤشرات ليس اقلها:
اولاً: توجه الإدارة الأميركية الى مزيد من التشدد في الشرق الأوسط بعد سلسلة التغييرات الكبيرة التي ادخلها الرئيس دونالد ترامب على فريق عمله ومستشاريه والتي أدت الى تعيين صقور اطاحوا بالاعتدال والمعتدلين، وكان اخرها تعيين جون بولتون مع ما يحمله هذا الرجل من ارث متشدد لا سيما ضد ايران، وهو يعتبر الاتفاق النووي قمة الكارثة ويسعى الى الغائه، وقد كان من بين ابرز مهندسي سياسة الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش ضد العراق، انطلاقًا من مبدأ اميركا القوية.
فالتغييرات الجذرية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ھي التي عززت الھاجس “الحربي” في المنطقة ولا سيما بعد إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون وإحلال مدير وكالة الإستخبارات المركزية مايك بومبيو محله، مع ما يعنيه ذلك من نقل الإستخبارات الى وزارة الخارجية وجعل الديبلوماسية مستندة الى معطيات ومعلومات استخباراتية استراتيجية، وصولا الى تعيين الرئيس ترامب لجون بولتون مستشارًا للأمن القومي بدل ھيربرت ماكماستر، وفي سياق توحيد النظرة والخطاب في السياسة الخارجية، ولا سيما في ملفات التحدي الكوري الشمالي والاتفاق النووي الإيراني والتمدد الإيراني في المنطقة العربية والخليجية.
ثانياً: تصاعد الموقف بين كل من سوريا واليمن ودلالاتها لا سيما على صعيد احتدام الصراع الإيراني السعودي، فلغة التصعيد بين البلدين، بدأ ياخذ منحى خطيرًا مع سلسلة الصواريخ التي اطلقت اخيرًا على المملكة انطلاقًا من اليمن من طرف الحوثيين، والذي يعتبر اخطر تهديد امني واستراتيجي للملكة.
ثالثًا: بوادرعودة “الحرب الباردة” بين روسيا والولايات المتحدة، وقد اعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن روسيا صرفت ودفعت ٣٥٥ مليار دولار لإنتاج أسلحة جديدة وھي ١٤سلاحًا بحيث أصبح الجيش الروسي أقوى جيش في العالم، وأن روسيا استدانت من الصين ٣٠٠ مليار دولار مقابل إرسال نفط وغاز سيبيريا لتسديد ٣٠٠ مليار دولار وھي الديون الصينية لروسيا. فموسكو، وعلى الرغم من التصاريح الصادرة عن مسؤوليها وفي طليعتهم وزير الخارجية سيرغي لافروف والتي تستبعد حصول حرب باردة، تسعى الى إرساء تحالف اقليمي مثلث الاضلع: موسكو – انقره – طهران – وقد وطأت قدما الرئيس بوتين على الارض التركية منذ ساعات لابرام اتفاقيات تأسيسية ذات بعد استراتيجي ليس اقلها انشاء اول مفاعل كهرباء تركي، في وقت تقف موسكو وراء ترسيخ الوجود الايراني العسكري والاستراتيجي على الحدود السورية – الاسرائيلية، وتقويته، ليتكامل مع وجود “حزب الله” على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية.
رابعًا: فهل تعود سياسة واشنطن لتعتمد نظرية التدخل العسكري المباشر في مناطق حساسة أولھا الشرق الأوسط رغم مسارعة الرئيس ترامب في الايام القليلة الاخيرة الى التصريح بضرورة سحب جنوده من سوريا؟
ولبنان في كل هذا الجو ؟
تؤكد المعلومات والمؤشرات ان لبنان وإن نجح الى الآن في سلوك طريق الاستقرار النسبي والانصراف الى اعداد انتخاباته النيابية المقبلة وملفات مؤتمرات الدعم الدولي له، الا انه يبقى مهددًا في اي وقت ومعه تبقى الانتخابات في حصولها بتاريخها مهددة، ذلك لان لبنان وحتى إشعار آخر لا يزال رهينة قوى اقليمية اولها ايران، وهي قادرة في اي وقت وبفضل “حزب الله” وحلفائه، على تسخير اوراقها وتوظيفها للضغط على واشنطن واسرائيل في اي وقت، خصوصًا في ظل تصاعد الشعور الاسرائيلي بالتهديد الوجودي والذي حدى بطائراتها الى التحليق مؤخرًا في الأجواء الإيرانية لاستكشاف المواقع الاستراتيجية التي قد تتحول في اي لحظة من لحظات الاشتباك الى اهداف مدمرة.
فبموازاة الاعداد الهادىء للانتخابات ولملفات المؤتمرات الدولية الداعمة وآخرها مؤتمر “سيدر” يجب على الدولة اللبنانية ان تضع خطط مواجهة اي خطر اقليمي داهم، من خلال وضع المجتمع الدولي امام مسؤوليته ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، والتحسب لاي اعتداء اسرائيلي مفاجىء قد يطيح بقواعد النمو والمواسم الواعدة للسياحة والاقتصاد الوطني.
لذلك فان احتمال الحرب موجود في ظل وضع ليس في مأمن عن اندلاع أي نزاع اقليمي، نتيجة حادث أو خطأ في التقدير، وخطوط حمر باتت غامضة، وغياب الحكم المتجرد والموضوعي.