لم ولن يتورّعوا…
كأنما ما كان قد عاد.
وكأنما التاريخ يعيد نفسه.
وكأنما حليمة رجعت لعادتها القديمة.
وكأنما يا بدر لا رحنا ولا جينا.
وكأنما ما حسبه الناس متغيّرات جذرية وأساسية ونهائية، لم يكن في جوهره وواقعه أكثر من استراحة لا تختلف عن يوم شم النسيم، وعلى الاكثر استراحة محارب.
اذاً، ما هذا الذي يحصل ويجري على صعيد الدولة التي ازدادت شللاً، والحكومة الجديدة التي لا تستطيع بعد هذه المدة الطويلة أن تبدأ، وأن تفتح ورشة العمل، وتنصرف الى القيام بالواجبات والمسؤوليات والاستحقاقات الكثيرة التي تنتظرها؟
في شكل أو في آخر رجعت حليمة لعادتها القديمة، كما يرى الناس وكما يعتقدون ويعلنون. ورجع لبنان ليمتطي أرجوحة التنقّل من تحت دلفة التأجيل والمماطلة والتسويف الى تحت مزراب التعطيل والعرقلة ووضع العصي إياها في الدواليب. وبالاساليب القديمة المعهودة التي لا يزال اللبنانيون يتذكرون فصولها ومسرحياتها وأفضالها.
والى الوراء دُرْ.
بل، مكانك راوح.
لا التعيينات مسموح لها ان تسلك دروب التنفيذ، والى حيث يعشش الفراغ والفساد والتسيّب. وحيث تعيث المحسوبية على ذوقها وحسبما يطيب لها، وليس من يسأل أو يحاسب. وحيث الشلل يكرسح المؤسسات والدوائر والسلطات، وقل الدولة بأسرها، وبكل مسؤوليها ومسؤولياتها.
ولا الاصلاحات ومشاريع القوانين دروبها سالكة وآمنة…
فما الذي يحصل ويجري، والى اين يسير قطار الحكم، ومتى تتوقّف هذه الاساليب والسياسات؟
بالفم الملآن يقول الناس ان من لا يتورّع عن شل الدولة وتعطيل الحكومة وتجميد البلد مرة جديدة، لن يتورّع عن إحالة كل المشاريع والقوانين، وكل الاستحقاقات، على رفوف الغبار التي لا تزال تحتفظ بالكثير من حكايات المرحلة التي قيل انها ذهبت الى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم.
مثلاً، هذا المشروع الذي يعطي الجيل الجديد دوراً ومكاناً وفسحة في ادارة البلد، ولو من طريق الاقتراع، غير مسموح له بالمرور. انه يعرّض التوازن للخطر.
كذلك، غير مسموح للمغتربين أن يقترعوا، وغير مرغوب في أن يُعطى الأبناء والأحفاد هوية آبائهم وأجدادهم. ووقوفاً على خاطر التوازن نفسه.
أما الانتخابات البلدية والاختيارية، فمن المستحب والمفضّل بالنسبة الى معظم أركان المعارضة السابقة واللاحقة تأجيلها… إلا إذا أرفقت بالاصلاحات المطلوبة.
عال. ولكن، ما هي هذه الاصلاحات؟
حتى وزير الداخلية الذي من الطبيعي أن يعلن إصراره على إجرائها في موعدها، لم يتمكّن في تصريحاته وأحاديثه الاخيرة من تحديد العوامل والأسباب والاصلاحات… التي يضعها المتضررون في دواليب الاستحقاق الذي سيعرّض تأجيله "دولة" البلديات، وما يُعتبر بمثابة الإدارة المركزية لعموم لبنان، للشلل والتعطيل.
انهم لم يتورّعوا في السابق، ولن يتورّعوا لاحقاً.