#adsense

بين الاستكبار العالمي والاستكبار الإقليمي ما هو مصير لبنان؟

حجم الخط

 

"ما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المردم"
زهير بن ابي سلمى

الاستكبار العقائدي:

في أيام الفتوة والشباب، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كنا نعتبر معيار وجود الفرد هو الإلتزام بعقيدة ما بحيث تصبح هذه العقيدة والقدرة على الدفاع عنها والتبشير بها بين العموم هو ما يقرر مبرر وجود فرد ما ويقدر فعاليته العملية كبشري. أما "الآخرون"، غير العقائديين، فقد كنا نراهم في منزلة ثانوية في ترتيب البشر. والجدير ذكره، أن الانتماء العقائدي كان يسهل علينا مسألة تصنيف الناس بين صديق وعدو ووطني وخائن وعالم وجاهل.

فالصديق هو من يحمل نفس عقيدتنا أو ما يشابهها والعدو هو كل من يحمل عقيدة تعارضها أو تعاديها. والوطني هو كل من يقبل بالشعارات التي يطرحها الحزب صاحب العقيدة. والخائن هو كل من يعارضها والعالم هو كل من ينظر دعماً للعقيدة والجاهل هو كل من لم يعتنقها وبقي قاصراً عن فهم "الحقائق" التي تحملها.

باختصار، فإن عالم الحزبيين العقائديين لا وجود فيه لقوس قزح بل هناك لونان الأبيض والأسود.
وأنا أذكر انه في احدى حلقات التثقيف الحزبي طرح علينا كتيب عنوانه "من هم اصدقاؤنا ومن هم اعداؤنا" وفيه تصنيف في خانتين، واحدة للأصدقاء وواحدة للأعداء تضم أفراداً وأحزاباً وجمعيات ودولاً… وقد كان من المفروض أن نكره المصنفين كأعداء وأن نحب الأصدقاء!

ولكن احدى الصفات العقائدية المضحكة والمقيتة بنفس الوقت هي الازدراء والاستهزاء بكل من لا يتوافق أو ينتقد العقيدة أو حتى التصرفات النافرة للحزب المعني أو قيادته، واعتبار هؤلاء الأشخاص لا يحملون النسبة الكافية من الوعي أو الثقافة لفهم أو تسويغ مسار الحزب.

أما الواقع الملازم والمرعب للعقائديين فهو الازدراء بقيمة الحياة الإنسانية بحيث يفقد الفرد لونه وقيمته ويصبح جزءاً من الجمهور أو الشعب فيصبح فقدان حياة واحدة، أو عدة حيوات لا وزن له في الحسابات العامة.

كما أن فقدان العشرات والمئات وحتى الألوف يصبح مبرراً في حال أتى في خدمة العقيدة أو الشعارات التي يستند اليها الحزب.
بالمحصلة هذا ما كنت أحاول أن أوصفه بالاستكبار الإقليمي الذي يعادل بوحشيته وصلفه الاستكبار العالمي المتمثل بتخطي الدول الكبرى كل المعايير الانسانية في سبيل مصالحها المتعددة من اقتصادية وعسكرية.

ما مصير لبنان؟

ما لنا نحن كلبنانيين وهذا الجدل المشابه للجدل البيزنطي، فما يهمنا في ظل تكاثف مؤشرات الحرب هو كيفية تجنيب بلدنا وأبنائه ويلاتها وحمايته من تبعات "صدام الاستكبارات" (بدل صدام الحضارات) الذي لا يعنيه بالضرورة، وإن عناه في جانب منه، فليس هناك ما يجبره بأن يكون ضحية هذا الصدام الوحيدة. فإن كانت الاطماع الإسرائيلية هي حقيقة ثابتة تبحث عن أسباب ومبررات لتحقيقها، فإن الحقيقة الاخرى هي أن الصراع القائم حالياً هو على الملف النووي الإيراني الذي يدعم استكبار إيران الإقليمي في حال وصولها الى تصنيع القنبلة النووية. وما محاولة أذرع إيران الايحاء بأن هذه القوة النووية هي لتأمين التوازن الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي إلا أوهام لأن التوازن النووي في أيام الحرب الباردة لم يؤمن التوازن السياسي بالمحصلة النهائية، وكانت النتيجة هي أن دفع ثمن صدام الاستكبارين الغربي والشرقي الملايين من ضحايا الحروب التي نشأت على خلفية الحرب الباردة.

لذلك فإن السجال الذي أطلقه خطاب أمين عام حزب الله حول موضوع الحرب والسلم، معطوفاً عليه الوثيقة السياسية التي أطلقها الحزب معلناً نفسه في قلب المعركة ما بين الاستكبارين العالمي والإقليمي، كان من الممكن الا يأخذ مداه لولا ارتباط هذا الخطاب بالتصعيد الحاصل بخصوص الملف النووي الإيراني. أي أن حزب الله الذي تأسس على يد الحرس الثوري الإيراني، وبوركت انطلاقته بفتوى من آية الله الخميني، وهو محط دعم مركز سياسي وعسكري ومادي من الجمهورية الإسلامية، لا بد أن يكون على الأقل طرفاً أساسياً في أي حرب تكون إيران أحد أطرافها، والأسوأ هو أن حزب الله في لبنان قد يكون الواجهة التي تخوض الحرب بالنيابة عن إيران ودون مشاركتها المباشرة.

في ظل هذا الوضع يبدو أن الحاجة الآن هي لدعوة هيئة الحوار للاجتماع بشكل طارئ للتباحث في كيفية تجنيب لبنان تداعيات صدام الاستكبارين وإقناع قيادة حزب الله بالإعلان بشكل صريح عن فك ارتباطها مع القرار العسكري الإيراني وتسليم مسألة الحرب والسلم الى السلطة الشرعية في لبنان في مرحلة أولى. قد تكون كل هذه الأمور لا تشكل أي رادع للعدو في حال قرر الاعتداء على لبنان، لكنها ستجعل كل اللبنانيين متوحدين في المواجهة ونضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل