مهرجان التعاسة الدائم !
راجح الخوري
في لبنان انتهى فصل الشتاء تقريباً. لكن السماء تمطر شؤماً الآن كما لم يحصل من قبل. وفي استطاعة المواطنين الذين يرتعدون خوفاً ويغرقون في اليأس ان يعتمروا الخوذ الواقية من الجنون وليس بالضرورة من النيران!
الآن ثمة اوركسترا او بالأصح نوبة تمضي في النعيق الذي صار يملأ فضاء البلاد. ففي كل لحظة تحذير من انهيار، ومع كل صباح خشية من انفجار. هذا لا يعني بالضرورة اننا ذاهبون الى المشاكل والاضطرابات. لكنه يعني بالتأكيد اننا سنمضي وقتاً طويلاً في المراوحة داخل الحلقة المفرغة لهذه الازمة القاتلة.
ليس في وسع الاحاديث المتزايدة عن الاتصالات والمشاورات محلياً وعربياً وحتى دولياً أن تخفف شيئاً من هذا الجو المفعم بالقنوط. اما التحضير لجولة جديدة من الحوار على ما يتردد، فليس اكثر من حقنة بنج في وريد الوطن المتهالك داخل غرفة العمليات.
إذا، مكانك راوح ان كان لك بعد من قدرة على المراوحة. هذا كلام موجه مباشرة الى السيد عمرو موسى الذي يرى “ان الوضع في لبنان هش ويمكن ان ينهار”، والذي ليس خافياً عليه بالتأكيد ان ما قدّمه من تصوّر للمبادرة العربية اول من امس، سيجلب عليه المزيد من الغيظ في اوساط المعارضة والمزيد من الابواب المغلقة والآذان الطرشاء ايضاً!
وعندما يقول الامين العام للجامعة “ان المبادرة متكاملة واول عنصر فيها هو انتخاب الرئيس. وان هناك ضرورة للتفاهم على الشكل العام للحكومة من دون الدخول في تفاصيل الحكومة لأن التفاصيل بعيدة تماماً عن المبادرة”، فإنه يكون كمن صلب المسيح مرة جديدة. اما عندما ينفي أن تكون الاكثرية وافقت على صيغة العشرات الثلاث فإنه يكون قد دحض ما قاله الرئيس نبيه بري عن هذه الموافقة و هو امر لن يسهل عليه طرقات عين التينة.
اذاً من اي باب يمكن ان يدخل سعادته الذي يسعى للعودة الى لبنان قبل ان يعبر قطار الفراغ الرئاسي المحطة رقم 18 في 22 نيسان الجاري؟
لا داعي الى التمحيص والتفكير. فالبلاد باقية في حضرة الفالج. والذين تمكنوا من تنصيب الفراغ في مقام الفخامة، بعدما كانوا قد خلعوا على الحكومة براقع “البتراء” و”العوراء” وما الى ذلك، وبعدما جعلوا من مجلس النواب معلماً اثرياً لا يرقى الى مصاف قلعة بعلبك حيث العظمة ليكون ارنون حيث الركاكة، هؤلاء يستطيعون بلا ريب الاستمرار في دفع قطار الدولة الصدئ الى الهاوية وفي احسن الاحوال الى مرأب الكسر.
لا داعي الى التمحيص والتفكير. فالبلاد باقية في حضرة الفالج. والذين تمكنوا من تنصيب الفراغ في مقام الفخامة، بعدما كانوا قد خلعوا على الحكومة براقع “البتراء” و”العوراء” وما الى ذلك، وبعدما جعلوا من مجلس النواب معلماً اثرياً لا يرقى الى مصاف قلعة بعلبك حيث العظمة ليكون ارنون حيث الركاكة، هؤلاء يستطيعون بلا ريب الاستمرار في دفع قطار الدولة الصدئ الى الهاوية وفي احسن الاحوال الى مرأب الكسر.
واذا كان مطلوباً اصلاح شؤون العرب، وتسوية شؤون العالم كله تقريباً، لكي يصبح مسموحاً للبنان ان يجتاز ازمته، فإنه لن يتمكن من اجتيازها على الاطلاق. لذلك، ومع اقتراب مواسم المهرجانات التي تعم الدول والعواصم وكان لبنان قد بدأها بـ”مهرجان التسوّق”، لن يكون في وسع هذا البلد الا الاستمرار في اجترار المأساة.
قبل اسابيع احتفلت تونس بـ”مهرجان الضحك” نعم الضحك ايها الراقدون تحت البكاء. وقبل ذلك تابع البؤساء عندنا “كرنفال الريو”. ثم كرّت سبحة البهارج ومهرجانات التسوّق والفرح في منطقة الخليج. ولم يكن غريباً ان يسافر القادرون من لبنان لحضور احتفالات الموسيقى او سباقات السيارات في بعض عواصم المنطقة، بعدما أُترعت نفوس الناس في هذه “العصفورية اللبنانية” بالوقائع الفاجعة لـ”المهرجان الدائم للتعاسة”.
ولأنه كما انتم يولّى عليكم، فلا بد من ان تكون التعاسة اصلاً في هذا الشعب الساكت حتى الآن عن هذه الفحشاء في السياسة!