#adsense

“الحوار” جدي… أم هروب إلى الامام ؟

حجم الخط

في الاسبوع الثاني من آذار 2006 التأمت "هيئة الحوار الوطني" للمرة الأولى في مجلس النواب. وخلال ثلاثة الى اربعة اشهر عقدت اجتماعات عدة، الا انها لم تتابع أعمالها بسبب الحرب التي شنّتها اسرائيل على لبنان و"حزب الله" فيه في الثاني عشر من تموز في العام نفسه. وفي مراجعة سريعة لما حققته من نتائج ولما فشلت في تحقيقه يمكن القول انها انجزت على صعد اربعة.

الاول، الاتفاق واجماعياً على نزع السلاح الفلسطيني المنتشر على الاراضي اللبنانية ولكن خارج مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. والثاني، الاتفاق واجماعياً على اقامة علاقات ديبلوماسية بين "الشقيقين التوأمين" لبنان وسوريا. والثالث، ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا او بالأحرى "تحديدها" تجاوباً مع اقتراح قدمه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في هذا الخصوص. والرابع، الاتفاق الاجماعي على موضوعي لجنة التحقيق الدولية ولاحقاً "المحكمة الخاصة" التي انشأها مجلس الامن لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه. أما ما لم تنجح في انجازه فكان الاتفاق على حل لمشكلة رئاسة الجمهورية التي كان فريق 14 آذار يصر على استقالة شاغل سدتها الرئيس اميل لحود قبل انتهاء ولايته الممددة والتي كان فريق 8 آذار يصر على استمراره في موقعه لحين انتهاء ولايته. وكان ايضاً الاتفاق على استراتيجيا دفاعية تؤمن دفاعاً جدياً عن لبنان في وجه اعتداءات اسرائيل وتحترم مؤسسات الدولة وسيادتها، ودورها الاساسي في قرار السلم والحرب وفي الوقت نفسه لا تتعرض لسلاح "حزب الله" المقاوم الذي اثبت نجاعته في العام 2000 (التحرير من الاحتلال الاسرائيلي). و"حزب الله" صاحب دور سياسي محلياً واقليمياً.

ماذا نفذت مؤسسات الدولة اللبنانية القائمة آنذاك من "الانجازات" التي تم الاتفاق عليها في اجتماعات "هيئة الحوار الوطني"؟

نُفّذ وبعد لأي انجاز اقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا. فأنشأ كل من الدولتين الشقيقتين سفارة في عاصمة الأخرى وتبادلا السفراء. لكن ما لم يتحقق رغم التنفيذ المذكور، هو ان العلاقات الديبلوماسية المشار اليها لم تحقق لـ14 آذار ما كان يأمله من اقامة علاقة ندّية ومتكافئة بين لبنان المستقل وسوريا المستقلة. علماً انه كان على هذا الفريق ان يدرك ان العلاقة التي يريدها يحتاج تأسيسها الى أمور جوهرية كثيرة داخلية وغير داخلية قبل تبادل البعثات الديبلوماسية الذي هو امر شكلي في نهاية المطاف. ونُفِّذ ايضاً أو لا يزال في طور التنفيذ القرار المتعلق بـ"المحكمة الخاصة بلبنان" رغم كل ما تعرّض له لاحقاً من صعوبات. الا ان ما لم يُنَفَّذ كان القراران المهمان المتعلقان بترسيم الحدود اللبنانية – السورية وبنزع السلاح الفلسطيني المنتشر خارج المخيمات.
طبعاً قد يقول البعض هنا ان حرب تموز 2006 التي اوقفت اعمال هيئة الحوار أو عطلتها هي المسؤولة عن عدم التنفيذ المذكور. وقد يكون في هذا القول شيء من الصحة. اولاً، نظرا الى ضخامة الحرب التي وقعت والى جسامة الخسائر التي اصابت لبنان بشراً وحجراً والى الخلافات التي كانت ناشئة بين اللبنانيين حول "المقاومة" وسلاحها ودوري سوريا وايران الاسلامية فيهما والتي ازدادت خطورتها بعد الحرب وبسببها. وثانياً، نظرا الى انشغال لبنان ولمدة طويلة بالتعاطي مع الامم المتحدة والمجتمعين العربي والدولي لإرساء وضع جنوبي هادئ (قرار مجلس الامن 1701 وتنفيذه، نشر اليونيفيل وتحديد مهماتها)، والى انشغاله ايضاً بالعمل لاعادة بناء ما تهدم. لكن هذه الأسباب على وجاهتها لا تكفي وحدها لتبرير عدم التنفيذ. ذلك ان المعلومات التي توافرت في حينه ولم يأتِ ما ينقضها، اشارت وبعد انتصار "الحزب" ومن خلاله سوريا وايران على اسرائيل، الى نوع من اعادة النظر في موقف المعسكر الذي يجمع الحلفاء الثلاثة هؤلاء من الموضوع اللبناني وفي السياسة الواجب انتهاجها في لبنان. فمن جهة بدأ التراجع عن نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات لأنه "حليف" قد تبرز الحاجة اليه مستقبلا، ولأن نزعه قد يجعل سلاح "الحزب" في الواجهة ولا سيما لجهة المطالبة بنزعه او بتسليمه الى الدولة او الجيش. ومن جهة ثانية تم التراجع عن "تحديد" الحدود الذي كانت حكومة لبنان ترمي الى تحقيق هدفين من ورائه. الأول، اثبات لبنانية مزارع شبعا. وثانياً استعادتها من الاحتلال الاسرائيلي. والثاني، اقفال الفلتان الحدودي الذي سمح في العقود الماضية ولا يزال يسمح لسوريا بالتدخل الواسع في لبنان من خلال تزويد حلفائها كل ما يحتاجون اليه للاستمرار والصمود ولاحقاً للنجاح. والتراجع كان سببه رفض سوريا هذا الامر وتبريرها رفض البدء بالتحديد من مزارع شبعا كونها لا تزال محتلة علماً انها لم تبدأ الترسيم من الشمال كما وعدت حتى الآن. وطبيعي ان يجاريها حلفاؤها في ذلك. لماذا اثارة هذا الموضوع الآن؟

لأن المنطق يفرض، وقبل العودة الى الحوار الوطني وإن "بهيئة جديدة"، تنفيذ القرارات التي اتخذت سابقا لأن "الهيئة" مستمرة على الاقل بمعظم اطرافها رغم زيادة اعضائها. ولأن مراقبة الواقع الراهن تفيد ان تنفيذها الآن بات مستحيلاً، لتغير موازين القوى داخلياً واقليميا بل لانقلابها. ولأن هذه المراقبة تؤكد ان الاستراتيجيتين الدفاعيتين اللتين يريدهما طرفا الحوار الأساسيان، وهما معروفان من دون تسميتهما، تتناقضان تماماً رغم كل كلام مخالف. وفي وضع كهذا فان تجربة الحوار الوطني من جديد لن تكون مفيدة، بل ربما تكون مؤذية، ذلك ان فشلها سيبقى فشلاً لرئاسة الجمهورية التي لم تحقق انجازا حتى الآن على حد قول الرئيس عمر كرامي وآخرون. كما ان استمرارها وعملها سينعكسان سلباً على مجلس الوزراء وعمله رغم ادعاء الكثيرين العكس، وخصوصاً بعدما فتح الرئيس سليمان امامها باب البحث في امور اخرى غير الاستراتيجيا الدفاعية. فضلاً عن انها قد تعطل مجلس النواب الذي هو اساساً الاكثر صلاحية لبدء حوار وخصوصاً بعدما صار ممثلاً فعلياً لكل شعوب لبنان وفصائله واحزابه وتياراته ومذاهبه وطوائفه والدول العربية والاقليمية والدولية المتدخلة فيها.

فهل هذا هو المطلوب من الحوار؟ اي القضاء على المؤسسات علماً انها هشة اساساً؟ وماذا يكون البديل؟ وهل سمع المعنيون كلام رئيس الحكومة سعد الحريري عن أن وضع العراقيل امامه سيجعل من حكومته آخر حكومة وحدة وطنية؟ وهل فهموا معناه ومرماه؟ وهل يستطيع الرئيس سليمان ان "يبلع" فشل "طاولة" حوار وان يقبل ما يتعرض له من انتقاد موضوعي حيناً ومن ظلم احياناً هدفه ابقاؤه تحت وطأة الخوف والتردد؟ ام يتحرك وفي أي اتجاه؟ وهل يكون التخلي عن السلطة واحداً منها؟ طبعاً هذه اسئلة صعبة ولا اجوبة عليها الا لدى "الضالعين" في السياسة وكواليسها ونحن لسنا منهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل