وسط معطى إقليمي مربك وهواجس داخلية وازنة
مشاركة لبنان في قمة ليبيا: فرصة وضرورة
هل يجب أن يحضر لبنان القمّة العربية المقبلة التي تستضيفها ليبيا في 27 و28 من الشهر الجاري، بصرف النظر عن مستوى تمثيله فيها؟
سؤالٌ مطروحٌ بقوة على مسافة أقل من شهر من موعد القمّة، وعلى مسافة أيام قليلة فقط من "القرار" الذي سيتّخذه مجلس الوزراء في هذا الشأن.
في الجواب عن هذا السؤال، ثمّة ثلاثة آراء متداولة، أو هي قيد التداول في الوسط السياسي والديبلوماسي اللبناني والعربي.
رأيٌ أول: المقاطعة ضدّ نظام متهم
الرأي الأول وهو لشريحة معتبرة في السياسة والإجتماع الوطني، يدعو إلى المقاطعة على خلفية قضية تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين في ليبيا في 31 آب 1978. وهذا الرأي يقوم على عدة ركائز وهواجس أهمها أنّ النظام الحاكم في الدولة المضيفة والذي يترأس القمّة مسؤولٌ عن قضية تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، وفي مثل هذا الوضع يصبح الحضور في القمّة بمثابة "تسليم" واعتراف بهذا النظام وبما يتهم به.
رأي ثانٍ: المشاركة فرصة وضرورة
الرأي الثاني لمصادر ديبلوماسية لبنانية واسعة الاطلاع، وهو الأكثر إقناعاً ـ حتّى الآن ـ يدعو إلى المشاركة في قمّة ليبيا بأي مستوى تمثيلي، إستناداً إلى مجموعة اعتبارات يعتبرها وازنة ومنطقية وتراعي المصلحة الوطنية من دون أن تلغي الموقف من قضية الإمام الصدر.
الاعتبار الأول هو أنّ لبنان عضو مؤسس في الجامعة العربية ولا يجوز في أي حال من الأحوال أن يكون مقعد لبنان فارغاً في أي قمة لأنه مقعد "الدولة اللبنانية"، ورمز حضورها ومشاركتها ضمن مؤسسة "العمل العربي المشترك".
الاعتبار الثاني هو أن لبنان عضو في مجلس الأمن، وهو بهذا الاعتبار- ممثل للمجموعة العربية فيه، وبالتالي لا يمكنه الغياب عن هذا الاستحقاق، حضوراً وبرنامجاً ومقررات ومتابعات.
الاعتبار الثالث، أنّ قمّة ليبيا قمّة "دورية" مقرّرة ولا علاقة للحضور بالدولة المضيفة، بعد أن قرّر القادة العرب قبل بضعة أعوام تحويل القمّة إلى مؤسسة دائمة، وقد سبق للبنان أن شارك في قمة دمشق (2008) في لحظة استقطاب وتأزم شديد في العلاقات من دون أن يعني ذلك المقاطعة.
الاعتبار الرابع هو أنّ أي دولة من الدول العربية لم تقرّر المقاطعة، حتى الآن. بل إن الأصول المعتبرة التي تحكم العلاقات بين الدول وفي المناسبات المشابهة، تُلزم بأن تكون أقصى خطوة تُقدم عليها الدول المعترضة على سياسات النظام في الدولة المضيفة هي تخفيض مستوى التمثيل، لا المقاطعة. خصوصاً وأن للبنان تمثيلاً ديبلوماسياً مع ليبيا وعنده جالية كبيرة وفاعلة في هذا البلد.
الاعتبار الخامس انّه "لا يجوز" للبنان الغياب عن قمّة يحضر فيها "الموضوع" اللبناني، خصوصاً وأن ثمة فقرتين تجري مناقشتهما تمهيداً لتضمينهما البيان الختامي للقمة، تتعلقان بالتضامن مع لبنان في استرجاع أراضيه المحتلة والتشديد على احترام سيادة هذا البلد، بالاضافة إلى رفض التهديدات الإسرائيلية الأخيرة للبنان، والخروقات المستمرة للسيادة اللبنانية، بالإضافة إلى إدانة منع بثّ بعض الفضائيات اللبنانية أو المنطلقة من لبنان عبر الأقمار الصناعية بدعوى التحريض على الإرهاب.
أمّا الاعتبار السادس فهو أنّ في وسع من يمثّل لبنان في هذه القمّة أن يطرح موضوع الإمام الصدر ورفيقيه، بل وأن يخوض "معركة" لبنان مع النظام في ليبيا من خلال تشكيل لوبي عربي ضاغط لإنهاء هذه المسألة وتبيان حقيقتها بشكل نهائي وحاسم.
إلى هنا تنتهي المصادر الديبلوماسية اللبنانية من سرد الحيثيات الوازنة التي تفرض على لبنان – الدولة مقاربة واقعية ومتروية في مسألة المشاركة في القمة، والإفادة منها بما يحقق المصلحتين الوطنية والقومية في آن، وبما يسمح بإعادة تسليط الضوء على قضية الإمام الصدر من موقع ذي رمزية كبيرة.
وتكشف هذه المصادر أن النقاش اللبناني حول طبيعة وحجم المشاركة ينحصر حتى الآن في رأيين: الأول، يرى تمثيل لبنان على مستوى وزير، والراجح أنه سيكون وزير الخارجية بالوكالة، وزير الإعلام طارق متري، فيما الرأي الآخر يدفع باتجاه حصر المشاركة بمندوب لبنان الدائم في الجامعة العربية خالد زيادة أو برئيس بعثة لبنان الديبلوماسية في ليبيا وهو برتبة قائم بالأعمال.
هذه المصادر تلفت إلى ما جرى تسريبه من معلومات تفيد أن النظام الليبي قد يلجأ في حال قاطع لبنان أعمال القمة إلى ردّ سلبي يتمثل بممارسات انتقامية ضد اللبنانيين المقيمين عنده، كالترحيل مثلاً، بكلّ ما تحمله هكذا خطوة من ارتدادات سلبية كبيرة وتداعيات على عدد كبير من اللبنانيين.
رأي ثالث: لمقاربة الصورة الشاملة
أما الرأي الثالث، وهو لمصادر ديبلوماسية عربية مقيمة في عاصمة أوروبية، فهو يرسم صورة أكثر واقعية في انعكاساتها واحتمالاتها للمشهد العربي المربك. فإذ تذكر بداية بأن الهمّ العربي متشعب، بدءاً بـ "القضية المركزية" وآخر فصولها الهجمة الإسرائيلية الأخيرة على الأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة واعتبارها معالم أثرية وسياحية إسرائيلية، وصولاً إلى مشارفة دول عربية عدة على الوقوع في التقسيم أو تحولها إلى دول فاشلة.
وتقول هذه المصادر إن ما هو أوسع من مسألة المشاركة أو عدمها في القمة، هو ذاك المشهد الإقليمي المتوتر والضبابي على خلفية أكثر من ملف واستحقاق، سواء على مستوى دول الإقليم (عربية وغير عربية)، أو على مستوى الكباش الإقليمي الدولي في السعي لإثبات من يمسك بكافة الأوراق في المنطقة، من لبنان إلى غزة، فالعراق واليمن والسودان.
هذه المصادر لا تخفي أن الرئيس الليبي معمر القذافي "صاحب مفاجآت"، وأن مفاجآته "ليست بالضرورة سارّة"، متوقعة بعضاً منها في القمة المقبلة، لكنها تلفت في المقابل إلى ما تسميه "الاندفاعة السورية الإيرانية نحو ليبيا"، وتقرأ في ذلك تمهيداً لأحد أمرين:
أولاً: إخراج ملف المصالحة الفلسطينية من يد القاهرة، وطرحها في قمة ليبيا بما يعطي شرعية لرئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، الذي يروج أن العقيد القذافي سيصحبه إلى جانبه خلال افتتاح القمة (إحراجاً لرعاة المصالحة الفلسطينية ورئاسة السلطة الفلسطينية أيضاً)، مشيرة في هذا الإطار إلى ضغط سوري إيراني لحضور مشعل القمة، وإلى رفض القيادة السورية استقبال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) خلال جولته الأخيرة على دول المنطقة.
ثانيا: من المؤكد، بحسب هذه المصادر، أن الانسداد الفلسطيني الفلسطيني الكبير، والتصعيد الأميركي الدولي الإيراني الكبير أيضاً، والمشهد العربي المتأزم سينعكس كله في قمة طرابلس الغرب، مسارات وتوجهات ووقائع وتوصيات وقرارات.
وحول ما يثار عن مشاركة لبنان في القمة، تؤكد هذه المصادر أن لبنان سيحضر تأكيداً لما سبق وأعلنه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى خلال زيارته لبيروت في 19 شباط الماضي، مرجحة أن يرأس وفد لبنان وزير الخارجية بالوكالة أو أن يتمثل بوفد ديبلوماسي كبير يضاهي موقع لبنان كعضو في مجلس الأمن وممثل للمجموعة العربية، معتبرة أن خفض مستوى التمثيل اللبناني سيأتي في سياق مبررات عدة، لبنانياً وعربياً وإقليمياً.