إن شئنا ام ابينا فإن اي تحليل سياسي لفكر وسياسة "حزب الله" على الساحة اللبنانية حاليا لا يمكنه الا ان يصل الى استنتاج بوجود علاقة عضوية قائمة بين الفكرة الشمولية وفلسفة القوة.
فـ"حزب الله" اليوم هو حزب شمولية القوة – والقوة الشمولية – مواقفه وبياناته وخطابات قيادييه تردد القول المأثور لابن الفارض:
"الي رسولا كنت مني مرسلا وذاتي باياتي علي استدلت"
فـ"الحزب" يردد نفسه في صدى السياسة اللبنانية انطلاقا من فكر راسخ بان القوة هي الحل: انها مقاربة المقلب الاخر للمحافظين الجدد في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن.
فالقوة عند "حزب الله" هي الوسيلة وفي مكان ما الغاية بذاتها: ان نبقى اقوياء لمجرد ان نكون كذلك كي نبقى قادرين على فرض ما نريده على الاخرين ومن هنا ولدت الفكرة الشمولية لدى "الحزب" بغلاف ديني عقائدي تيوقراطي يؤمن بولاية الفقيه وتصدير الثورة الشيعية الى العالم واعادة امجاد الصفويين لحكم المنطقة عبر البوابة الايرانية الفارسية – وكلها انجازات لا تتم الا بالقوة سواء القوة الايمانية العقائدية او القوة المادية العسكرية حتى على اقرب الناس واقرب المقربين. ونستذكر في هذا الاطار وعلى سبيل المثال الصراع الطويل بين "الحزب" والشيخ صبحي الطفيلي في البقاع .
الفكرة الشمولية في علم الاجتماع السياسي تبنى على معايير اساسية اذا دققنا فيها نجد ان "حزب الله" يستجيب لمعظمها علميا وعمليا:
1- الفكرة الشمولية تتحمل مختارة اعباء النيابة عن الاخرين ومنها مسؤولية الاضطلاع بكل شيء، وهذا الاضطلاع يكون محركه هوس بالوضوح والتنظيم والحصرية والضبط والاختزال والتعيين – ما يؤدي في حياة جماعة الى الاقتراب اكثر فاكثر من ميدان العنف والقوة والاستبداد خارج ميدان الاعتراف بالاخر وتقبل نسبية المعرفة – وهكذا افضل امثلة عن هذا المعيار العلمي نجده في تصرفات "الحزب" وسياساته الداخلية حيث يستأثر بالقرارات عنه وعن سواه ومنها قرار الحرب والسلم وينحو باتجاه الاستبداد (7ايار ولغة السلاح من اجل الدفاع عن السلاح ) ويعتبر نفسه المولج الوحيد عن الدفاع عن لبنان في وقت لا يعترف بحق الاختلاف وبوجود تعددية فكرية وسياسية في البلاد ( مقولة الديمقراطية العددية وسواها ) والتي تكفي بنظره للقيام بما يراه هو مناسبا ولو على حساب الاخرين.
2- الفكرة الشمولية تنطوي في معيارها الثاني على المشروعية السلطوية – فالشمولية مشروع سلطوي وليس مشروع سلطة: لان الاول يعني التفلت من الاخر انطلاقا من فكرة ان الاخر بحاجة اليه وهو ليس بحاجة لاحد – والجميع في نقص وهو في كمال – بينما الثاني مشروع قيام سلطة تجمع وتحكم بمشروعية اعتراف ابناء المجتمع وشرعية تفويضهم للحاكم للحكم بين الناس ولتحقيق اهداف المجتمع العليا. من هنا نفهم النزعة لدى الحزب الى المطالبة بان يذعن له الاخرون – وليوافقوه على افكاره ويتطابقوا مع تصوراته – لانه هو من يمتلك الحقيقة الكاملة والحق الكامل – فالمقاومة حق حصري له ومقاتلة اسرائيل حق له وفقا لطريقته في مقاتلتها ووفقا لفكره هو ولاهداف فكره هو – وعلى الاخرين ان يتقبلوا الموضوع وقد سمعنا مرارا وتكرارا كلاما من كبار قادة "الحزب" على طريقة "نحن باقون شاء من شاء وابى من ابى" و "نحن نعرف ونملك القوة وعلى الغير ان يتقبلنا كما نحن" و"السلاح لم يعد موضوع بحث …"، الى ما هناك من مقولات صدرت في اكثر من مناسبة وموقف علني فضلا عن ما تضمنه كتاب الشيخ نعيم قاسم الشهير عن "حزب الله" وفلسفته وعقيدته ونظرته الى الصراع العربي – الاسرائيلي ودور المقاومة الاقليمي والدولي وليس فقط اللبناني – وصولا الى الوثيقة السياسية للحزب اخيراً وخطاب السيد حسن نصرالله بتغيير وجه المنطقة وسواها – فكلها ان دلت على شيء فعلى فكرة الشمولية حتى في النظر الى القضايا المحقة والقضايا الجامعة والقضايا المصيرية .
3- من معايير الشمولية النظرة الى العالم الذي يجب وفقا للفكر الشمولي ان يتشكل على مقاس فكرة "الحزب" المسبقة عنه والا فان العالم يكون في ظلمة والانسان في جاهلية – فيتحول الفكر الشمولي الى تجربة فكرة وجود كمال مطلق وتصوير العالم على انه يكون افضل اذا اعتمدت افكار "الحزب" واذا قضى على جهل البشر لمصلحتهم – فيطرح الفكر الشمولي نفسه هداية بهدف تغيير العالم وخلاص البشرية – وبما ان هذا التغيير لا يتم الا بتغيير الرغبات الامر الذي ما دونه صعوبات – فإن الفكرة الشمولية تأخذ طريقها الى التنفيذ من خلال العنف لقلب المعادلات وتحقيق التغيير والخلاص ولو بالقوة المادية والعسكرية والعنفية ( مثال محو اسرائيل من الوجود او الكلام عن سقوط اميركا سياسيا عسكريا – وبغض النظر عن تأييد او عدم تأييد هذا الكلام او عن صحة او عدم صحته).
4- من هنا تبرز حاجة "الحزب" واي مجموعة شمولية التفكير والثقافة الى سلطة قوية تستوحي افكاره وتطبقها استيحاء تاما وحرفيا – ولان الدولة اي دولة غير تلك التي تريدها الفكرة الشمولية لا تتناسب مع متطلباتها فلذا تلجأ النظرية الشمولية الى انشاء كيانها الخاص المستجيب لمعاييرها وافكارها – لان السلطة الشمولية لا تتعايش مع قوانين لا تجيز لها التحكم الكلي وبالتالي لا تعترف بها – كالقوانين التي تنظم صالح فئات اخرى من المجتمع – من هنا نجد "الحزب" يقيم دويلاته ومناطق نفوذ متميزة له عن سائر مناطق لبنان وحيث قوانين تلك المناطق والمربعات الامنية تختلف تماما عن قوانين سائر الدولة اللبنانية.
وبالتالي فان الشمولية مبرر القوة – والقوة هي اساس وجود "الحزب" والحفاظ عليه – في وقت – وهنا المفارقة العجيبة – كان شعار "لبنان القوي بضعفه " صمام امان اكثر على مدار عشرات السنوات لضمان مصالح كل اللبنانيين وللحفاظ على كل لبنان – فالقوة اليوم لا تأمن الا مصلحة فريق من اللبنانيين على حساب الفرقاء الاخرين وعلى حساب لبنان بكامله .
فليعذرنا اخواننا في "حزب الله": الحقيقة العلمية ليست خائبة والحقيقة السياسية اليوم في لبنان ليست بعيدة عن معاير العلم في اظهار شمولية "الحزب" وايمانها اللا محدود بالقوة وسيلة وغاية … فاذا انتفت القوة انتفت مبرراته لا بل مبررات وجود جناحه العسكري …