#adsense

سمير جعجع بين مِطرقةِ “الحِقد” وسندان “العَزل”؟

حجم الخط

أمّا وقد أصبح الإستحقاق الإنتخابي خلفنا، فحريّ بنا أن نتوقّف عند ظاهرة بينَ عاديّات، وهي النتيجة المُذهلة التي حقّقتها “القوات اللبنانية”، إذ استطاعت أن تُضاعف عددَ مُمثّليها في المجلس النّيابي، لتُبرهن على أنّها الكتلة الوازنة إن على صعيد التّمثيل المسيحي، وإن في موضوع مواجهة الفساد والوقوف في وجه الفاسدين، وأكثَرُهم من ذَوي الأَلقاب.

لقد ذُهل البعض، وما زال، من سمير جعجع، هذا الرجُل الآتي من القَلق، الذي لم يترك قريحته حتى استوفى عُقود الذّكاء الذي يُنعِم على العقل بالصحّة، وعلى صاحبه بالرّزانة وصحيح الخيارات، فاستثمر خلاياه الواسعة ليعيش في الضَّوء، وعلى أيدي أمثاله تنهضُ الأَوطان.

 

لقد جَهِد “البَوّاقون” الذين لا تتخطّى أَبصارُهم الإِصبع في التطلّع الى الشمس، للتَرويج لِبدع كثيرة، ما هي سوى إنعاش لمواسم الحقد والكراهية والهلوسة في نفوسهم المَمسوسة. وقد حلموا بأنّ تهجّمَهم على سمير جعجع وإلصاقَ التّهم في مواقفه، سوف يقودان المجتمع، ولا سيّما المسيحي، الى عزله.

سمير جعجع لا يُشبههم، فهو المُحرر بالحقّ، عصيّ على التَّدجين لأنّه ليس دُمية سريعةَ التَّطبيع، ولا يعتبر الوطنيةَ عطلةً للإستجمام، ولا يطأطئُ هامته أمام مُدمني الإسفاف السياسي وهمج ثقافة الموت. هو متماسكٌ جريء، سطّر في اعتقاله ملحمة حيّة شكّلت حلقةَ اتّصال بين الخطر والبقاء، وهذا أداءُ الرِّجال، ليُطَبِّقَ ما قاله غاندي: “أوّلُ الحكمةِ أن تعرفَ الحقّ، وآخرُ الحكمةِ ألاّ تعرفَ الخوف”.

سمير جعجع، وفي هذه الحقبة المأزومة، لم يتقَوقَع كغيره في المصالح الضيّقة البائسة، وتحوّل الى غيريّة عفيفة مطلوبة، لا لضعف، بل لسلوك أداء إسعافيّ يرتقُ الخُروق على مستوى الإنتصار لقضيّة الحقّ في الوجود والمُشاركة. هو أبى أن يُشارك في حفل تأبين السيادة، وأن يُسلِّم مفتاح الوطن للوصيِّ وللمنفوخ بفائض قوّته.

سمير جعجع لم يُغلِّب طابع الجناية على ملفّ الوطن، بل أعاد الى الحياة تلك اللُّحمة المُهاجرة التي، لو استمرّت في غُربتِها، لَفَقدَ الوطن جزءاً من سمته المُميَّزة. من هنا، لا بُدَّ من الإقرار بأنّ “القوات اللبنانية” ساهمت جدِّيًا في رَأب الصّدع المُتمثّل في عدم صحّة التَّمثيل لدى المسيحيّين الذين كان لغَيرهم أن يُسمّوا أكثر من نصف عددهم، وذلك بانتخاب مسيحيّ صافٍ ومن دون انتقاص.

إنّ التَّأَلُّه الذي ينتهجه البعض، هو حالة طاووسيّة ظرفيّة محدودة المدّة والفاعليّة، تُرخي على بَصَر صاحبها حجابًا صفيقًا من الإدّعاءات الفارغة والأكاذيب الشَّعبويّة، فيَسكنُ في هَلوسات وشَعوذات ترسم صورته في حائط مُطرطش بالرّسوم الكاريكاتوريّة.

وقد توارد الى بالي وأنا استمعُ الى هذا “المَوهوب”، كلام للإمام البليغ عليّ بن أبي طالب إذ قال: “رحمَ اللهُ امرءًا عرفَ حدَّه فوقفَ عندَه”، وأيضًا كلام للبسطاميّ، وهو واحد من المُتَصَوفّين المتطرِّفين، الذي قال: “أنا الحقّ، أنا رَبُّكم فاعبدوني”. ولكن، يجب أن يعلم هذا الموهوب الذي “ينطقُ وحدَه بالحقّ”، بأنّ الأيام أثبَتَت أنّ روائحَ انقلابِه على المبادئ التي وظَّفها لاستمالةِ النّاس، قد أنهَكَت الأُنوف، كروائح صفقاته وسمسراته وفساده المَشهود.

ولن ينسى التاريخ المواقف الملوَّثة التي تَفضَح التَّدهور الدراماتيكي على مستوى السّلوك الوطني، ولا التَلَوُّن غير المتوازن في توجّهاتِه، وأنّ مصلحته الشخصية هي ما تقود مواقفه، وليس اهتمامه بقضايا الناس والبَلَد. وأَبسَط ما يُقال في هذا المجال، أنّ ما يُطلَق من كلام، ليس سوى اغتيال سافر للحقّ، وانحياز غير مسبوق للإفتراء على الحقيقة.

 

سمير جعجع، هو حالة استثنائيّة لأنه يرفض أن يُدرج اسمُه في لائحة الرّاكعين الذين لا يُرتجى منهم تَذَكُّر كرامتهم. هو يرفض أن تُعقَد له أقواس المُبايعة، فيصبح راضِخًا لِمُسَيِّبي الأرضِ ومُغتَصِبي شَرَفِها. من هنا، فإنّ مواقف سمير جعجع هي انتفاضة تَصنع مفصلاً، أو ثورة بيضاء تُثري الشّعور بالإنتماء الى الكرامة، أو نُطق صواب مُحَصَّن بسلوك لا يتنفَّس إلاّ إباءً.

سمير جعجع هو من الرِّجال العظام، الذين ليسوا بحاجة لغير إسمِهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل