حسب الرواية المعروفة، انه فيما كانت قوات السلطان محمد الفاتح العثماني تطبق على القسطنطينية من كل الجهات سنة 1453، وفيما كانت المدينة آخر ما تبقى من الامبراطورية البيزنطية المترامية الاطراف التي كانت في مرحلة تسيطر على المشرق بأسره توشك على السقوط تحت ضربات العثمانيين، كان احبار المدينة في نقاش وخلاف جادين حول جنس الملائكة وطبيعتهم. وسقطت المدينة ومعها آخر قلاع امبرطورية عمّرت نحو الف عام، واما الاحبار فقضى بعضهم، وهرب بعضهم الآخر، وخضع بعضهم الثالث لحكم المنتصرين.
هذه قصة الخلاف على جنس الملائكة، عمرها سبعة قرون. تذكرنا بها الخلافات في لبنان والتي يكاد بعضها يشبه ما حصل في القسطنطينية قبل سبعمئة عام. فالحوار الوطني يعود لينطلق اليوم في بعبدا برئاسة الرئيس ميشال سليمان حول الاستراتيجية الدفاعية، وهي تسمية ملطفة للحوار حلو سلاح "حزب الله" الذي يمثل قلب الخلاف الوطني اللبناني راهنا. والصورة تكاد تكون سوريالية: طاولة حوار تتوسع من غير طائل، فيما المشكلة واقعة بين فئتين لبنانيتين، الاولى تعتبر ان سلاحها امر واقع يوجهه تكليف الهي لا يحتاج الى مناقشة او مراجعة ولن يغير فيه شيء، وبالتالي فإن الحوار هو للحوار. والثانية تعتبر ان السلاح المذكور يهدد وجودها ونمط حياتها وينسف توازنات البلد الدقيقة ويستدرج حروبا من الخارج لا نهاية لها، وبالتالي فالمطلوب اما نزع السلاح واما ضبط امرته بالحوار ما دامت استعادة الدولة لسلطاتها متعذرة بالقوة. ومن هنا فإن الحوار بالنسبة الى هذه الفئة هو مدخل لعقلنة الفئة المسلحة وربما اقناعها بفضائل العودة الى منطق الدولة وسيادة القانون والمساواة.
يدخل "حزب الله" الحوار الوطني، وهو الطرف المعني اساسا، من دون ورقة تحمل تصوره الرسمي للاستراتيجية الدفاعية ربما للتحرر من اي التزام يزيد الضغوط عليه لإحداث تغييرات في سلوكه. والحال ان اي ورقة يقدمها الحزب، مهما ذهب فيها بعيدا في توسيع هوامشه لن توازي الامر الواقع الذي جرى تثبيته في السنوات الأخيرة، تارة بالقوة والتهديد، وطورا باذعان بعض من الفريق الاستقلالي. كما يدخل الحزب وهو يميز بين السلاح والاستراتيجية الدفاعية التي يرى فيها جدلا بيزنطيا فيما هو يرسخ امرا واقعا على الارض بسلاح يعتبره خارج اي نقاش او مراجعة. والسؤال: ما نفع البحث في الاستراتيجية الدفاعية من دون التطرق الى اصل المشكلة اي السلاح؟ فأصل طاولة الحوار وبالتحديد بند الاستراتيجية الدفاعية قام على اشكالية امتلاك طرف لبناني سلاحا من خارج الشرعية بوظيفة خارجية، واثار سلبية على وحدة الوطن والحياة العامة والخاصة فيه. وعليه كان الهدف من طاولة الحوار الخروج من الازدواجية غير المألوفة بين سلاح فئوي وسلاح وطني شرعي. اكثر من ذلك، تنطلق طاولة الحوار اليوم في ظل قرع صاخب لطبول الحرب في المنطقة يسهم فيها "حزب الله" مستدرجا لبنان باسره الى محور خارجي تجلى مؤخرا في اللقاء الثلاثي في دمشق. وكثيرون يدركون ان "حزب الله" يشارك في الحوار الوطني من دون ان يعيره اهمية، ويعتمد على حلفائه المتحلقين حول الطاولة لاغراق الموضوع الاساس بكم من المواضيع الهامشية ستطرح من اليوم.
بالامس قال نائب الامين العام لـ"حزب الله": "لا يوجد نقاش اسمه سلاح "حزب الله" بل نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية". ولكن المشكلة الفعلية تبقى في سلاح "حزب الله" الذي يمثل تهديدا داخليا قبل اي شيء آخر. وبالتالي وجبت مناقشته اولا تحت بند بسط سيادة الدولة وسلطة القانون باعتباره عنصرا مهددا للسلم الاهلي، ولوحدة البلاد وسلامة المواطنين.
ان واجب الاستقلاليين اشهار سلاح الموقف في وجه الدويلة وسلاحها بعدم منحها اعز ما تفتقده: اي الشرعية. هكذا نحمي لبنان الكيان، وهكذا نتجنب الوقوع في فخ جدل بيزنطي او جدل لبناني يريدون اغراق البلاد فيه، فيما يمضون في تقويض مرتكزات الوطن واحراق مستقبل اولادنا.