انتهت جلسة الحوار الثالثة امس وكأنها لم تنعقد، حتى وان اعتبرها البعض تأجيلا مبطنا لما ليس بوسع المتحاورين فرضه على بعضهم، لاسيما ان المشهد العام لطاولة الحوار جسد معدلا مرتفعا من التباعد الشخصي بين من يفترض فيهم ان يكونوا اقرب الى التفاهم وليس اقرب الى التباعد!
الذين تصوروا مسبقا ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان سيكون محرجا في حال استمر المتحاورون في حلقة مفرغة، لم يحسبوا حسابا لعدم وجود اي رابط بين من اجتمع في قصر بعبدا وبين ما لم يجتمع على هامش مناسبة سياسية اخرى، خصوصا ان التباينات على اشدها وهكذا بالنسبة الى عملية شد الحبال، بحسب ما كان سائدا في الجلستين الحواريتين السابقتين حيث لكل جهة رأيها ولكل طرف نهجه، فضلا عمن هم في وسط المشهد ممن يهمهم ان لا يقطعوا شعرة معاوية مع الاصدقاء والخصوم وفي الحالين، يظل الحوار مجرد عنوان لمرحلة لا علاقة له باي حل مرجو!
وطالما ان الرئيس سليمان قدم ما بوسعه لجمع المتخاصمين في قصر بعبدا، فان عدم تحقيق تفاهم لا يعود اليه، بل الى من لا يرغب في تقديم تنازلات الحد الادنى، بما في ذلك تفاهمات الحد الادنى ما جعل الامور تتجه نحو استبعاد نجاح الحوار في المطلق!
وفيما قيل قبل جلسة امس ان قناعة المتحاورين بعيدة تماما من اقرب نقطة التقاء معنى ذلك ان هناك طبخة بحص متفق عليها. بدليل تجنب المتحاورين بعضهم البعض في المصافحة وفي الكلام والنظرة، ما اكد بصورة مطلقة انه لولا حكمة رئيس الجمهورية ومساعيه التحضيرية للجلسة لما كان بوسع احد القول انها مناسبة حوار وليست مناسبة عرض عضلات مرشحة لان تتطور الى كباش شخصي حتم ارجاء الجلسة الرابعة الى منتصف نيسان المقبل من دون انتظار تحقيق تقدم عملي في الفترة التي تفصلنا عن الموعد الجديد!
الاسئلة التي واكبت وصول المتحاورين الى قصر بعبدا امس ومغادرتهم، تركزت على كل حرف قيل وعلى كل لفتة سياسية ظلت محصورة باتجاه معين، لاسيما ان من يفهم بلعبة المؤثرات قد ادرك ان استهداف بعض السياسيين في حملات منظمة ومدروسة قد دل بوضوح على ان "مساعي هز التفاهم بين فريق 14 اذار مستمرة" حتى وان كان البعض يراها في مصلحته والا لن يكون معنى لتركيز الانتقاد والتجريح باتجاه البعض من دون البعض الاخر!
لذا، يخطئ من يعتقد ان فريقا من هنا سيتأثر سلبا بالحملة عليه، مع العلم ان من هو مؤهل للاخذ بالانتقاد قد اعطى دلالات عكسية مفادها ان لا تغيير في تحالفاته، اضافة الى ان المقصود بشكل واضح استفراد بعض اركان الاكثرية، بعد فشل تفكيك تفاهم هؤلاء مع رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط. مع ما يعنيه ذلك من ضرب التفاهم القائم بين فريق فاعل من الطائفة السنية ممثل بزعيم الاكثرية رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ورئيس فريق مؤثر من مسيحيي قوى 14 اذار ممثل رئيس تنفيذية القوات اللبنانية سمير جعجع طالما ان الموقع المسيحي الاخر للتيار العوني قد حسم خياراته في الاتجاه المعاكس؟!
والمفارقة في هذا السياق تكمن في استمرار شد الحبال اكثر من السعي الى الابتعاد عن تفاصيل المناكفات الشخصية والمصالح السياسية. وتقول اوساط مطلعة ان ما تردد عن التزام المتحاورين وثيقة الشرف التي تبعدهم عن التنازع اليومي في المواقف وفي التصرفات تشكل ادنى مستويات التفاهم على ما يبقي الساحة الداخلية على نسبة من الاستقرار. وهذا مطروح ايضا في مجال الانتاجية السياسية في مجلس النواب حيث القضايا الخلافية مطروحة بوسائل قريبة من الرفض المتبادل لكل ما يصدر عن هذه الجهة بالنسبة الى مشروع قانون الانتخابات البلدية وغيرها، من دون حاجة الى الاتكال على ما تأخذ به الجهة الاخرى في جلسات مجلس الوزراء؟!
وفي حال تكرر مشهد البحث في الاستراتيجية الدفاعية، فإن الحال السياسية السائدة قاصرة عن تحقيق المصلحة العامة في ظل الحسابات الشخصية. وستبقى المساعي مقتصرة على من بوسعه فرض رأيه بالقوة طالما ان الجميع غير قادرين على اثبات وجودهم بوسائل دستورية – قانونية . وهذا ليس مجرد تشبيه بقدر ما هو واقع معاش يستحيل على اي طرف اعتماده من خلال اقناع غيره بصوابيته؟!